ليلة مصرية في بلد السحر والجمال

سمير عمر

سمير عمر

كاتب صحفي

عبرنا حوارى تشبه حوارينا القديمة، وأزقة تفوح منها رائحة الناس الطيبين، حتى وصلنا مدخل المطعم ذى الطراز المعمارى الأندلسى فى قلب المدينة القديمة بالدار البيضاء، كان فى استقبالنا فتيات يرتدين الزى المغربى التقليدى، ورجل خمسينى يفترش الأرض ومن حوله ما يلزمه لإعداد الشاى المغربى، حيّانا باللهجة المغربية الدارجة وهو يقدم لنا أكواب الشاى الزجاجية الصغيرة.

قادنا الدهليز إلى ساحة المطعم المفتوحة على ثلاثة طوابق تعج بزبائن من جنسيات مختلفة، فإذا بمطرب شاب يغنى:

إن كنت حبيبى ساعدنى كى أرحل عنك

أو كنت طبيبى ساعدنى كيف أُشفى منك

يعجبنى أداؤه، فأردد معه:

لو أنى أعرف أن الحب خطير جداً ما أحببت

لو أنى أعرف أن البحر عميق جداً ما أبحرت

لو أنى أعرف خاتمتى ما كنت بدأت

ها هو عبدالحليم حافظ يبسط نفوذه الفنى على المغرب بعد ثمانية وأربعين سنة على رحيله.

ولعبدالحليم حافظ علاقة وثيقة بالمغرب، فقد كان من المقربين من ملكها الراحل الملك الحسن الثانى، وكان أيضاً شاهداً على محاولة الانقلاب الشهيرة عليه عام 1971 والمعروف بانقلاب الصخيرات، الذى قاده الكولونيل محمد أعبابو، وبإشراف الجنرال محمد المذبوح، وكاد عبدالحليم حافظ أن يقع فى فخ دعم الانقلاب على صديقه الملك الحسن الثانى، حيث كان موجوداً فى مبنى الإذاعة المغربية وقت المحاولة الانقلابية لتجهيز إحدى أغانيه قبل بثها بمناسبة عيد ميلاد الملك، وحين علم «أعبابو» بوجوده حاول استمالته وطلب منه قراءة بيان الانقلاب، لكن «عبدالحليم» رفض متعللاً بأنه ليس مغربياً ويفضل أن يبقى بعيداً عن هذه الأمور.

ما لنا نحن والسياسة والانقلابات الآن، فلنكمل سماع الأغنية بصوت هذا المطرب الشاب..

الآن وصل المطرب إلى:

اشتقت إليك فعلمنى ألا أشتاق

علمنى كيف أقص جذور هواك من الأعماق

أنا أحب هذه الأغنية «رسالة من تحت الماء» وهى من أشعار نزار قبانى وألحان محمد الموجى.

محمد الموجى أيضاً كان فى المغرب ساعة محاولة الانقلاب الفاشلة، لكنه لم يكن مع عبدالحليم حافظ فى مبنى الإذاعة المغربية، بل كان فى فندق الهيلتون مع مجموعة من الفنانين المصريين، محمد عبدالوهاب، وشادية، وفريد الأطرش، وقد أخذهم جميعاً القلق على «عبدالحليم» لوجوده فى مبنى الإذاعة بعيداً عنهم بينما يسمعون أصوات الرصاص تأتيهم من كل مكان، فقرر الموجى وشادية والسفير المصرى لدى المغرب آنذاك حسن فهمى عبدالمجيد الذهاب إلى مبنى الإذاعة لإنقاذ «عبدالحليم».

ها أنا ذا أعود لتذكر «محاولة الانقلاب الفاشلة» مرة أخرى بينما يواصل المطرب الغناء، هذه المرة ينتقل من أغنية «رسالة من تحت الماء» إلى قصيدة «قارئة الفنجان»، هذه أيضاً من أشعار نزار قبانى وألحان محمد الموجى، «الموجى» مرة أخرى، إنه يعيدنى إلى مبنى الإذاعة المغربية فى العاشر من يوليو 1971 حيث يقف الآن رفقة الفنانة شادية والسفير المصرى حسن فهمى أمام المبنى يريدون الدخول، لكن الجنود المشاركين فى محاولة الانقلاب -دون علمهم- يمنعونهم، فهم لا يعرفونهم، لكنهم حين علموا أنهم من مصر ضحكوا وقالوا: مصر نعم لقد هزمناكم فى المباراة الأخيرة 3/صفر، اتفضلوا ادخلوا.

يا لها من مفارقة عجيبة، لقد كانت مباراة مصر والمغرب فى مارس من ذات العام التى انتهت بفوز المغرب 3/صفر سبباً فى السماح لثلاثى إنقاذ عبدالحليم حافظ بالدخول إلى مبنى الإذاعة فى هذا اليوم العصيب، إنها كرة القدم الساحرة المستديرة التى يعشقها المغاربة ويعشقها المصريون أيضاً، وهى السبب الذى جاء بى إلى المغرب بدعوة من الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، حيث تستضيف المملكة المغربية منافسات بطولة الأمم الأفريقية، وها أنا هنا فى هذا المطعم ذى الطراز المعمارى الأندلسى البديع، ومن حولى زميلات وزملاء من عدة دول أفريقية قصدوا المغرب لذات السبب، وها هم يستمعون للمطرب الشاب الذى كان يشدو بأغانى عبدالحليم حافظ، لكنه الآن قد انتقل لغناء أغنية «انت عمرى» لسيدة الغناء العربى «أم كلثوم»، وهى من كلمات الشاعر الكبير «أحمد شفيق كامل» وألحان موسيقار الأجيال «محمد عبدالوهاب»، إنهم رغم عدم معرفة أغلبهم باللغة العربية، وقطعاً عدم معرفتهم بالعامية المصرية، يتمايلون طرباً من الموسيقى والغناء بينما يحيينى المطرب الشاب وقد عرف أننى من مصر.

ومن «انت عمرى» وألحان محمد عبدالوهاب، انتقل الغناء برشاقة موسيقية إلى ألحان سيد مكاوى وكلمات حسين السيد:

ماتفوتنيش أنا وحدى

أفضل أحايل فيك

ماتخليش الدنيا تلعب بيا وبيك

خلى شوية عليا وخلى شوية عليك

كان المطرب يكرر الكوبليه، وعلى طاولة قريبة منه شاب وفتاة مغربيان يرددان معه وكأنهما يعيشان نفس حالة الأغنية..

وتغيب وتفتكر

وتجينى وتعتذر

فين القلب اللى يقدر يستحمل كل ده

وبينما الجميع يتابع سماع أغنية سيد مكاوى فى هذا المطعم فى قلب مدينة الدار البيضاء، كان حكم مباراة مصر وزيمبابوى المقامة فى مدينة أغادير، يطلق صافرة نهاية المباراة بفوز مصر بهدفين مقابل هدف واحد.

مصادر المقال:

مذكرات أحمد المرزوقى أحد الضباط المشاركين فى الانقلاب الفاشل بعنوان «الزنزانة رقم 10»

حوارات محمد بندودش رئيس الإذاعة الرسمية المغربية وقت محاولة الانقلاب الفاشلة.

%d8%b3%d9%85%d9%8a%d8%b1%20%d8%b9%d9%85%d8%b1.jpg