محمود مرزوق يكتب: ماسبيرو

كتب: editor

محمود مرزوق يكتب: ماسبيرو

محمود مرزوق يكتب: ماسبيرو

عندما تولّى الفرنسى جاستون ماسبيرو إدارة مصلحة الآثار المصرية عام 1881، لم يكن فى الحسبان أن هذا الرجل المهتم بالتاريخ المصرى القديم، والمولع بجمع الأغانى الشعبية المصرية، سيصبح أحد أكبر المسئولين عن خروج آثار مصر إلى المتاحف الأوروبية والأمريكية. «ماسبيرو»، الذى ارتبط اسمه لاحقاً بمبنى الإذاعة والتليفزيون المصرى، يحمل فى طيات سيرته إجابة لسؤال محورى عن كيفية تحوّل النهب المنظم لآثار مصر إلى قانون رسمى.

السؤال الذى يطرحه كثير من المصريين عن سبب امتلاك متاحف الغرب للعديد من روائع الآثار المصرية، نجد إجابته فى قانون استثنائى صاغه «ماسبيرو» خلال فترة إدارته لمصلحة الآثار المصرية. هذا القانون، الذى عُرف بقانون القسمة، أباح تقسيم الآثار المكتشفة بالتساوى بين الحكومة المصرية والمكتشف الأجنبى المموِّل للحفائر. كانت الفكرة بسيطة ومدمّرة فى آنٍ واحد: من يموّل الحفائر يحصل على نصف ما يكتشفه!
النتيجة المباشرة لهذا القانون يمكن رؤيتها اليوم بوضوح. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يضم المتحف المصرى القديم عدداً من الماكيتات الخشبية الرائعة التى عُثر عليها فى مقبرة «مكت رع»، وقد توزّعت بين المتحف المصرى ومتحف المتروبوليتان فى نيويورك، وكانت القطع الأجمل - بالطبع - من نصيب المتحف الأمريكى. أما تماثيل الملك منكاورع الجماعية الشهيرة فمعروضة فى المتحف المصرى، لكن بقية التماثيل تزيّن متحف بوسطن. هذه القسمة لم تكن نتيجة سرقة أو تهريب، بل كانت قانوناً معتمداً من أعلى المستويات الرسمية المصرية.
التوافق الرسمى من جانب الحكومة المصرية كان عنصراً أساسياً فى هذه الجريمة المنظمة. فبعد أن وافق إسماعيل سرى باشا، وزير الأشغال والمسئول عن مصلحة الآثار، على المسودة التنفيذية لهذا القانون المعيب دون تردد، لم يُبدِ الخديو عباس حلمى الثانى أى اعتراض عندما عُرض عليه الأمر، ليفتح الباب على مصراعيه أمام استهداف الآثار المصرية دون رادع.
قد يظن البعض أن هذا التوجّه كان ممارسة شائعة فى ذلك الزمن، لكن الواقع كان عكس ذلك تماماً. فاليونان، على سبيل المثال، كانت تحظر بشكل قاطع خروج أى قطعة أثرية من أراضيها، وكانت جميع الاكتشافات تذهب مباشرة إلى المتاحف اليونانية. مصر وحدها كانت تقدّم تراثها الحضارى هدية مجانية لمن يرغب.
تفاصيل قانون القسمة تكشف عن مدى التفريط فى الثروة الأثرية. فالمقابر الكاملة التى لم تتعرض للنهب كانت من حق مصلحة الآثار بالكامل، أما المقابر المنهوبة جزئياً فكانت تُقسَّم بطريقة مريبة: التوابيت والمومياوات والقطع الثقيلة تؤول إلى مصلحة الآثار، بينما تُقسَّم القطع الصغيرة والحُلى والمجوهرات مناصفة. وكان للمكتشف حرية الاختيار بين أخذ نصيبه العينى من الآثار، أو الحصول على تعويض مالى، أو آثار بديلة من مخازن المصلحة.
صندوق استكشاف مصر البريطانى، على سبيل المثال، دفع 600 جنيه فى موسم واحد، وحصل فى المقابل على برديات من «كتاب الموتى»، وجداريات من مقبرة «نب آمون»، وكنوز أخرى تملأ اليوم أروقة المتحف البريطانى.
قائمة الخسائر طويلة: نصف كنوز مقبرة تحتمس الرابع ذهب إلى متحف المتروبوليتان، ونصف آثار مقبرة حور محب قُسِّم بين اللوفر والمتروبوليتان، والحُلى الذهبية الفاخرة لزوجات تحتمس الثالث انتقلت إلى نيويورك، وآثار العمارنة توزّعت بين برلين وباريس. ووصل الأمر إلى حد أن بريطانيا كانت توزّع الآثار الفائضة عن حاجة متاحفها على المدارس الثانوية كهدايا للطلاب المتفوقين، ناهيك عن القطع التى تحطّمت فى طريقها إلى أوروبا أو ابتلعتها أمواج البحار.
تقع المسئولية الأكبر على عاتق «ماسبيرو»، الذى صاغ هذا القانون بالشراكة مع إسماعيل سرى باشا، الذى ظل فى منصبه أكثر من سبعة عشر عاماً متواصلة، رغم تعاقب الحكّام من عباس حلمى إلى حسين كامل إلى أحمد فؤاد. ولم يكن استمراره الطويل فى المنصب من قبيل المصادفة، بل كان ضماناً لاستمرار تدفّق الآثار المصرية إلى الخارج تحت غطاء القانون.
تمثل هذه الفترة واحدة من أحلك الصفحات فى تاريخ التراث المصرى، وتذكّرنا بأن حماية الآثار ليست مجرد قوانين ونُظُم، بل تحتاج أولاً إلى ضمير وطنى حيّ، ويقظة دائمة.


مواضيع متعلقة