تهميش الكِتَاب (3)

تخيلت عدد الكتب الجيدة التى لا يجد مؤلفوها طريقاً لنشرها، لأنهم لا يقدرون على تمويل النشر، وبعضهم يرسلون إلى مخطوطات واعدة لكن أغلب دور النشر لا تغامر بأسماء جديدة إلا نادراً، وقلت:
- من المهم أن تتحمس دور النشر للموهوبين من شباب الكتاب، وأن تبذل جهداً أكبر فى الترويج للأعمال الجيدة، ربما يسهم هذا فى تصحيح المسار.
ابتسم، وقال:
- صارت قوة الدفع أكبر من أن يتفاداها الناشرون، وأى ناشر فى النهاية، لا يريد أن يخسر، ويخرج من السوق، ولذا سيظل التحمس للكتب التى تلقى إقبالاً من قراء متعجلين أو قليلى المعرفة والتذوق قائماً بقوة، شئنا أم أبينا.
خرجت من عنده فى هذا اليوم وأنا فى خوف شديد على مستقبل الكتاب، لاسيما أن الإنترنت ألقى فى طريقه ما يزاحمه بقوة وقسوة فى آن.
تخوفت أيضاً حين طالعت إعلانات لدور نشر صغيرة تنصب فخاخاً لكتاب مبتدئين، وبعضهم لا يُحسن الكتابة أصلاً. الإعلانات تتحدث عن استقبال الكتاب، ومراجعته، ثم طباعته، ووضع خطة تسويقية تجعله يصل إلى يد كل قارئ، ثم تقيم له حفلات توقيع، وتدفع لمحررين صحفيين كى يعرضوه، وكل هذا مقابل مبالغ مالية محددة، تزيد حسب النسخ المطبوعة.
ازداد خوفى حين سمعت عما جرى للكاتب الشهير روبرت فيسك فى القاهرة. جاء لزيارتها فوجد أحدهم يحدثه عن كتابه الجديد حول صدام حسين وحدث غزو العراق عام 2003، وقال له:
- كتابك فضح أهداف المستعمرين، وأنصف أهل العراق، يا لك من كاتب صاحب ضمير يقظ.
نظر إليه فى اندهاش، وسأله:
- عن أى كتاب تتحدث؟
أجابه على الفور:
- لك كتاب مترجم حول هذه المسألة.
ثم غاص فى ذاكرته حتى أتى له بعنوان الكتاب، فابتسم فيسك، وقال ساخراً:
- لا يوجد لى كتاب بهذا العنوان.
نظر إليه محدثه فى تعجب، وقال:
- الكتاب صادر عن دار نشر مصرية، ويباع فى القاهرة، وقد اشتريته وقرأته.
سأله على الفور:
- أين يباع؟
أجابه:
- فى إحدى مكتبات القاهرة.
طلب منه «فيسك» أن يصطحبه إلى هذه المكتبة، ووجد أن هناك كتاباً بالفعل عن العراق وصدام، عليه اسمه كمؤلف، أسفله اسم مترجم مخترع. حين تقصى الأمر أدرك أن هناك من جمع مقالات لم يكتبها فيسك، وكى يغرى القراء بشرائه وضع اسم الكاتب البريطانى الشهير عليه.
لقد زاد الأمر على هذا الحد حين اكتشف البعض، وبعد سنين من واقعة فيسك، أن هناك دار نشر عراقية قد تخصصت فى نشر كتب عليها اسم مؤلفين أجانب ومترجمين، وجميعهم أسماء مستعارة لا وجود لها فى عالم الكتابة. كتب فى الأدب والفكر والعلوم الإنسانية، تم تأليفها عن طريق الذكاء الاصطناعى، ولا صاحب لها.
إنها فضائح تبين كيف صار بعض مَن دخلوا إلى عالم النشر من بوابة زائفة ضيقة محرمة يتجرأون على الكتاب بهذه الطريقة البشعة، التى لا يوجد ما يضمن ألا تكرر فيما بعد، ليزيد هذا كثيراً، وبشكل جارح، فى تهميش الكتاب.