رسائل «داوود عبدالسيد»

سحر الجعارة

سحر الجعارة

كاتب صحفي

هل كلمة «الحزن» يمكن أن تختزل عذابات الفقد؟ هل تُطهرنا الدموع من الإحساس بالعجز أمام ملاك الموت؟ هل «الغياب» وحده هو الذى يمنح من أحببناه حضوراً طاغياً ومساحات ضوء تتجاوز ما عاشه من أضواء نجوميته!.

المخرج «داوود عبدالسيد» ليس مجرد مخرجى المفضل، إنه جزء سرى من تاريخى المهنى لم أكتبه من قبل، وربما لم أفكر فى كتابته إلا لحظة الإحساس بفقده.

«المقاتل»: كنت أعمل بمجلة الكواكب بمؤسسة دار الهلال الصحفية مع الناقد الأدبى الكبير «رجاء النقاش» فى بداية الألفية الحالية، وكنت أهوى من بدايتى الموضوعات الصعبة والثقيلة، وأرى أن الفن لا بد أن يؤخذ بجدية، المهم ذهبت لمحاورة الأستاذ «داوود»، وبالمناسبة زوجته الكاتبة الكبيرة «كريمة كمال» صديقتى، كتبت الحوار واخترت له عنواناً ساخناً «المسيحى فى الدراما زى الوردة فى عروة الجاكيت».. رفض الأستاذ رجاء نشره، ورفضت الاستمرار فى هذا المناخ (كنت شابة متحمسة وكدهون)، وقضيت ثلاث سنوات فى إجازة بدون مرتب.. حتى جاء الإعلامى «محمود سعد» رئيساً لتحرير المجلة، فى زيارتى الأخيرة كان لدى محمود سعد رسالة محددة قالها بود الأصدقاء وجدية المحترفين: «اكتبى الصفحة الأخيرة العدد القادم.. هذا أمر من رئيس التحرير».

حاولت أن أشرح له أن هذا موعدى السنوى مع أوراق الإجازة التى تنتهى بوعد مع الزملاء أن نلتقى قريباً ثم نتوه فى دوامة الحياة فلا نتذكر أننا تواعدنا إلا بعد عام! حاولت أن أفلت، أن أهرب من الحصار العاطفى الذى يطوقنى به زملائى لأنهى إجازتى وأعود لأقاسمهم هموم المهنة ورائحة الحبر والقهوة.. لكن مقاومتى انهارت أمام حالة الحب المباغت التى قوبلت بها. ورجعت، كان شرط الرجوع نشر حوارى مع داوود عبدالسيد بنفس العنوان.. هذه الواقعة لم تكن بطولة منى بقدر ما كان مخرجنا جريئاً ومشاغباً ومقاتلاً.. فقط تعلمت منه أن أقاتل من أجل كلمتى وأسدد الثمن راضية.

«الإنسان»: كان لى صديق على الفيس بوك مهندس أصيب بالشلل اسمه «سامح سمير»، يعمل بالترجمة لبعض الوقت، ويعلق شهادة بكالوريوس الهندسة على جدار المنزل!. قررت أن أزوره فسألته عن أحلامه فقال لى: متابعة مباراة «الأهلى» على المقهى، ومشاهدة آخر أفلام «داوود عبدالسيد».. لكن واقعه أضيق من أحلامه. تواصلت مع المخرج الكبير وشرحت له الوضع، وكان فى المونتاج، لم يلبِّ فقط، بل أخذ يحدثه على الهاتف حوالى الساعة.. هذا هو داوود الإنسان.

«فيلسوف السينما المصرية»: لم يكن داوود مجرد مخرج من رواد «الواقعية الجديدة» فخلال مسيرته الممتدة لأربعة عقود قدّم تسعة أفلام روائية طويلة فقط، كتب سيناريو معظمها بنفسه، مفضلاً الجودة الفنية والتعبير عن «سينما المؤلف» على الغزارة الإنتاجية.. وفلسفة داوود كانت محاولة للغوص فى النفس البشرية على الشاشة «أرض الخوف، رسائل البحر، الكيت كات، مواطن ومخبر وحرامى، وغيرها».. «أرض الخوف» تحديداً الذى يُصنَّف ضمن أهم كلاسيكيات السينما العربية، احتار الناس فى تحليله لأنه يناقش علاقة الإنسان بالسلطة الإلهية.. أما رسائل البحر فأهم رسالة فيها هى «مفهوم الشرف» وأتمنى أن يكون المتلقى قد وصلته.. «الكيت كات» يشبهنا حين نعاند حظنا ونرفضه ونتمرد عليه.. إنها عبارات مخلة بالقيمة العظمى لهذه الأفلام.. فقط وددت أن أشعر بأن «داوود عبدالسيد» باق بأعماله.. وأن رسالته قد وصلت.

يقول داوود: (كل ما فعلته أننى كنت أسير وراء ما يشغلنى فى الحياة، بمعنى أنه قد يشغلنى موضوع ما أو فكرة ما، فأقوم بتجسيدها من خلال الفيلم، مثلاً فيلم «الصعاليك» 1985 كانت فكرته عن الصداقة فى الوقت الذى كان المجتمع المصرى يمور خلاله بالتغيرات الاجتماعية الحادة، وشغلنى السؤال عن التغيرات التى من الممكن أن تتركها الثروة فى نفوس البشر، وهل ستصمد قيمة الصداقة أمام طغيان المادة والمال؟).

وفى يناير من عام 2022، أعلن داوود عبدالسيد اعتزاله العمل السينمائى نهائياً. وبرر قراره فى مقابلة تليفزيونية أثارت جدلاً واسعاً بقوله: «هذا الجو غير صالح لصناعة السينما، هو صالح فقط لتربية الدواجن».. ترك لنا داوود روائعه، وتركنا لسينما المقاولات تنهش وعينا وتدهس أحلامنا بأبطالها الفتوات.. لكن القيم الجميلة التى زرعها فينا داوود سوف تظل على قيد الحياة.