أرض الصومال - «إسرائيليلاند»
لم يكن اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو بأرض الصومال «صوماليلاند» كدولة مستقلة اعترافاً عبثياً رغم الجدل وردود الفعل الرافضة لهذه الخطوة، ووسط إدانات دولية وإقليمية واسعة، خصوصاً الدول العربية والإسلامية والقرن الأفريقى.
منذ شنت إسرائيل حربها على قطاع غزة وهى تؤكد على ضرورة تحقيق أهدافها من الحرب بأى ثمن كان، وغنى عن البيان أن أهمها القضاء على حركة حماس ونزع سلاحها، ثم تطور الأمر لتكون غزة أرضاً ممهدة لإعادة احتلالها وتهجير سكانها وإقامة المستوطنات عليها، وما شجع ذلك إعلان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بشراء غزة وإقامة منتجع سياحى عليها سماه «ريفيرا الشرق» نظراً لموقعها الاستراتيجى وطقسها المعتدل، ثم تراجع عن تصريحاته المتخبطة بشأن غزة وقال إنه لن يشتريها بل سيأخذها! وتمادى فى توقعاته قائلاً إنها ستكون مكاناً رائعاً لإنشاء مدينة صناعية واستثمارية فى مجال التكنولوجيا، وبالطبع المبرر جاهز بأن غزة لم تعد صالحة للعيش فيها، وحفاظاً على حياة السكان فعليهم مغادرتها طوعاً أو قسراً حتى يتم إعادة بنائها، وتلقفت إسرائيل الفكرة مبتهجة واقتنصت الفرصة التى طالما انتظرتها وأضافت هدفاً جديداً على أهداف حربها على القطاع وهو تهجير سكانه، رغم أنه مخطط قديم يخرج من حين لآخر فى أروقة الحكم الإسرائيلية.
هذا المخطط لم يكن مفاجئاً فى وعى الفلسطينيين الذين قابلوه بالسخرية والرفض القاطع، وجسّده صمودهم الأسطورى فى مواجهة حرب الإبادة الجماعية والدمار الهائل والتجويع التى يرتكبها جيش الاحتلال ضدهم منذ أكثر من عامين.
ورغم أن الاعتراف الإسرائيلى الرسمى بصوماليلاند يرمى إلى انتهاك للوحدة السياسية للصومال وتهديد للاستقرار فى القرن الأفريقى، ما يعزز التوترات بين الصومال وصوماليلاند، ويؤثر على الجهود الدولية للحفاظ على الوحدة الترابية للدول الأفريقية، فإن لإسرائيل أهدافاً ونوايا أخرى من هذا الاعتراف الذى يرتبط بتقارير سابقة تربط الاعتراف بصوماليلاند بخطط إسرائيلية محتملة للتطهير العرقى وإعادة توطين الفلسطينيين من غزة فى صوماليلاند، كما أنه جزء من استراتيجية إسرائيلية لتعزيز نفوذها فى أفريقيا والشرق الأوسط، خاصة فى مواجهة إيران، حيث تتمتع صوماليلاند بموقع استراتيجى على البحر الأحمر، كما أن الاعتراف يرتبط بخطط إسرائيل لنقل الفلسطينيين من غزة إلى المنطقة كجزء من حل للصراع، بما يهدد حقوق الفلسطينيين الذين يتعرضون لموجة نزوح غير مسبوقة بفعل القصف الإسرائيلى المتواصل بهدف تضييق الخيارات أمام سكان غزة ودفعهم للهجرة، ما يفاقم من حدة الصراع القائم، ويزيد من الضغط على الفلسطينيين فى غزة والضفة الغربية، إذ يُرى الاعتراف كجزء من استراتيجية إسرائيلية أوسع لتغيير الواقع الديموغرافى، وهذا يعزز التوترات فى الشرق الأوسط، وسيؤدى إلى تصعيد دبلوماسى فلسطينى واحتجاجات كبيرة على الرغم من أنه لا يغير الوضع المباشر على الأرض حتى الآن.
قرار الاعتراف الإسرائيلى بأرض الصومال كدولة مستقلة هو سابقة تاريخية، وأصبحت إسرائيل أول دولة تعترف رسمياً بأرض الصومال كدولة مستقلة، وفقاً لإعلان «نتنياهو» الذى وصفها بـ«دبلوماسية تاريخية» فى إطار اتفاقيات أبراهام، كما أنه يمثل خرقاً سافراً لقواعد القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة الذى أكد الحفاظ على سيادة الدول، ووحدة وسلامة أراضيها. فضلاً عن أنه سيثير نزاعات إقليمية أوسع، وهو عامل لزعزعة الاستقرار فى القرن الأفريقى، وسط تكهنات بإمكانية تعزيز التحالفات الإسرائيلية وأطماعها التوسعية.
الاعتراف قد يفتح أبواباً لتعاون عسكرى واقتصادى، ما يجعل أرض الصومال شريكاً محتملاً فى خطط لوجيستية، وقد يشجع ذلك دولاً أخرى على الاعتراف، أما على الصعيد الداخلى الإسرائيلى، فإن الضغوط التى يواجهها «نتنياهو» بسبب الحرب على غزة قد تجعله يرى فى مثل هذه الخطوة طريقة لتحقيق حلول ديموغرافية، خاصة مع اقتراحات سابقة لتهجير طوعى أو قسرى للفلسطينيين، لكن فى أفضل السيناريوهات قد ينجح هذا المخطط جزئياً إذا حدث تهجير محدود مثل آلاف بدلاً من ملايين، خاصة إذا دعمته صوماليلاند مقابل مساعدات إسرائيلية، لكن النجاح الكامل كتهجير واسع النطاق غير محتمل الحدوث لأسباب عديدة أهمها رفض الفلسطينيين أى تهجير قسرى كتطهير عرقى، وهو بمثابة خط أحمر لا يمكن تجاوزه، فهى غير معترف بها دولياً وتواجه نزاعات حدودية داخلية، ما يجعلها غير مستقرة لاستقبال ملايين الفلسطينيين، كما أن التهجير يتطلب موارد هائلة، لذا فالهدف المنشود من التهجير نجاحه محدود للغاية ويكاد يكون منعدماً.