فن المونولوج
في السيارة استمعت من خلال الراديو إلى منولوج تغنيه مؤدية بارعة، كان موضوعه "النظافة من الإيمان"، كلمات المونولوج كأنها طلقة عظة تخترق الدماغ لتستقر في الوعي وتعمل مفعولها الإيجابي في الرقي بالمجتمع.
الكلمات بسيطة، تدعو إلى النظافة في البيت والشارع ومكان العمل، تدعو كل سيدة لأن تكون قدوة لأبنائها وكذلك كل فرد في المجتمع، ويستعين المونولوج على ذلك بعبارة إيمانية هي "النظافة من الإيمان".
لم يكن المونولوج فقرة غنائية عابرة، ولا نكتة تلقى لتزجية الوقت، بل كان فعلا فنيا واعيا، اتخذ من السخرية طريقا، ومن الضحك وسيلة، ليصل إلى لب القضية دون صراخ أو وعظ مباشر.
يبدأ المونولوج من عبارة مألوفة، محفوظة في الذاكرة الجمعية، تتردد على الألسنة بيسر، لكنها في الواقع كثيرا ما تنفصل عن السلوك اليومي، ومن هذه المسافة بين القول والفعل، يولد التوتر الدرامي الذي يقوم عليه العمل.
يتحرك المؤدي داخل المونولوج كراو شاهد على الحياة، لا كخطيب أو واعظ. يلتقط تفاصيل صغيرة، مثل شارع متسخ، يد تلقي القمامة بلا اكتراث، فوضى تمارس باسم الضرورة أو العادة، ثم يعود ليضع هذه المشاهد في مواجهة العبارة الرفيعة التي تستخدم أحيانا كزينة لفظية أكثر منها مبدأ يحتكم إليه.
اللغة المستخدمة بسيطة، قريبة من السمع الشعبي، ليست مبتذلة، لغة تعرف طريقها إلى الوجدان، المتلقي يرى نفسه فيها، أو جاره، أو المدينة التي يعيش فيها، الضحك الذي ينتجه المونولوج ليس ضحكا فارغا، بل ضحك الاعتراف، حين نضحك لأننا أدركنا الحقيقة، لا لأننا هربنا منها.
في المونولوج يتجلى جوهر الفن، القدرة على تحويل قضية أخلاقية عامة إلى مشهد حي، لا يحتاج إلى ديكور معقد ولا إلى جوقة مصاحبة، بل يعتمد على الموهبة الفردية، والذكاء اللغوي، والإحساس بالإيقاع الاجتماعي، الفنان هنا ليس مطربا فقط، بل ممثلا، ومحللا، وضميرا ساخرا يتكلم بصوت الناس عن الناس.
لعل ما يجعل المونولوج حيا في الذاكرة، أن القضية التي يطرحها لا تتقادم، فما زال التناقض قائما بين ما نردده من قيم، وما نمارسه في تفاصيل حياتنا اليومية، وهنا المفارقة المؤلمة، فن راق اختفى، بينما بقيت المشكلة التي عالجها دون حل، وكأننا تخلينا عن المرآة، لا عن العيب.
إن استدعاء المونولوج اليوم ليس حنينا إلى الماضي بقدر ما هو سؤال عن الحاضر، كيف فقد الفن قدرته على التهذيب والنقد الرشيق؟ وكيف تحول من شريك في بناء الوعي إلى صدى عابر؟ هل لأن المونولوج، يتطلب فنانا يمتلك موقفا! لا مجرد صوت؛ ورؤية، لا مجرد إيقاع؟.
المونولوج فن غنائي تمثيلي يعتمد على فنان واحد يؤدي أغنية قصيرة تحمل قصة أو فكرة أو موقفا ساخرا أو ناقدا، وغالبا ما يكون بأسلوب خفيف الظل، يجمع بين الغناء والتمثيل والسخرية الاجتماعية والنقد غير المباشر، يختلف عن الأغنية التقليدية؛ لأن هدفه الأساسي التعبير عن قضية أو ظاهرة وليس مجرد الطرب.
نشأ فن المونولوج في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، خاصة في فرنسا ضمن عروض "الكاباريه" والمسرح الغنائي الساخر، وفي بريطانيا في مسارح ميوزيك هول، وفي إيطاليا وألمانيا ضمن المسرح الشعبي.
كان يستخدم لانتقاد الفساد والطبقية والسلوكيات الاجتماعية الخاطئة، والسياسة أحيانا، كان فن الناس البسطاء، يصل إليهم بلغتهم العادية.
وصل المونولوج إلى مصر وانتشر مع وصول الفرق المسرحية الأجنبية والاحتكاك الثقافي في فترة زخم وفود الأجانب بأعداد كبيرة في نهايات القرن 19 وبدايات القرن 20، انتشر المونولوج لملاءمته طبيعة المجتمع المصري الميال إلى النكتة والسخرية وحكايات السمر، وقد واكب انتشاره، انتشار المسرح الغنائي وبعدها ظهور الإذاعة والسينما، ساعدت الإذاعة على انتشار المونولوج القصير، واستخدمته السينما كعنصر درامي أو فاصل كوميدي يخدم القصة.
كان من أشهر نجومه إسماعيل يس الذي يعد أشهر من قدم المونولوج السينمائي المرتبط بالشخصية، وحسن فايق وثريا حلمي.
ركزت موضوعات المونولوج على قضايا النظافة والغلاء والعلاقات الزوجية والكسل والبيروقراطية والتعليم والأخلاق العامة.
تميز بأنه ناقد دون إسفاف وساخر دون ابتذال وممتع ومفيد في آن واحد، استمر المونولوج فقرة فنية أساسية في الحفلات وفي الأفلام والمسرحيات ما يقرب من ثلاثة أرباع القرن العشرين، ثم اندثر، ولم يكن اختفائه مفاجئا، بل نتيجة تغير الذوق العام وصعود الأغنية السريعة والاهتمام بالإيقاع أكثر من المعنى وتراجع المسرح الغنائي الذي كان الحاضنة الأساسية للمونولوج.
اختفاء فن المونولوج كان نتيجة لتغير المجتمع، وتغير أدوات التعبير، ومع ذلك، يبقى المونولوج شاهدا على مرحلة كان فيها الفن مرآة حقيقية للحياة، وربما يحتاج هذا الفن اليوم إلى إعادة اكتشاف، لا بوصفه تراثا، بل كوسيلة معاصرة للتعبير عن قضايا الإنسان اليومية بلغة ذكية وبسيطة.