«حقول صغيرة والأثر كبير».. الزراعة المستدامة تغير شكل الحياة فى قرى مصر

كتب: أسماء أبوالسعود

«حقول صغيرة والأثر كبير».. الزراعة المستدامة تغير شكل الحياة فى قرى مصر

«حقول صغيرة والأثر كبير».. الزراعة المستدامة تغير شكل الحياة فى قرى مصر

في قلب الريف المصري، حيث تتقاطع ضغوط التغيرات المناخية مع تحديات الفقر وندرة الموارد وارتفاع كلفة الإنتاج، تفرض الزراعة المستدامة نفسها بوصفها مسارًا واقعيًا وفعّالًا لتحقيق التنمية الشاملة، فالحقول الصغيرة التي يديرها صغار المزارعين، لم تعد مجرد وحدات إنتاج محدودة، بل يمكن أن تشكل محركات حقيقية للأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، قادرة على تحسين سبل المعيشة وتوفير «حياة كريمة» للسكان، وحماية الموارد الطبيعية في آن واحد.

في هذا الإطار، يبرز برنامج المنح الصغيرة، وهو آلية تمويل دولية لمبادرات المجتمع المدني، تتبع مرفق البيئة العالمية (GEF/SGP)، ويديرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، شريكًا استراتيجيًا في دعم التحول نحو الزراعة المستدامة، عبر ربط أهداف الأمن الغذائي بجهود الحد من تغير المناخ، وتطوير الريف المصري، ومن خلال تمويل وتنفيذ حزمة متكاملة من المشروعات الريادية.

ويمتد أثر البرنامج من شمال الدلتا إلى جنوب الصعيد، مستندًا إلى فلسفة واضحة، تعتمد على «حلول محلية مبتكرة» يقودها المجتمع بنفسه، وتستجيب لاحتياجاته الفعلية، مع الحفاظ على حق الأجيال القادمة في الموارد.

إدخال ممارسات زراعية ذكية مناخيًا

يؤكد الدكتور عماد عدلي، المدير الوطني لبرنامج المنح الصغيرة في مصر، أن مشروعات المرحلة السابعة للبرنامج تعكس هذا التوجه المتكامل، إذ تتنوع بين إدخال ممارسات زراعية ذكية مناخيًا، وتطوير نظم الري الحديثة باستخدام الطاقة الشمسية، وإعادة تدوير المخلفات الزراعية وتحويلها إلى أسمدة عضوية وأعلاف، وصولًا إلى استزراع محاصيل بديلة أكثر قدرة على التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة وندرة المياه.

الزراعة المستدامة تغير شكل الحياة في قرى مصر

تعزيز الدخل وتوفير فرص عمل خضراء

ويشير في تصريحات خاصة لـ«الوطن»، إلى أن الأثر لا يقتصر على البعد البيئي، بل يمتد إلى تعزيز الدخل، وتوفير فرص عمل خضراء، وتمكين المرأة الريفية والشباب، وبناء سلاسل قيمة محلية ترفع كفاءة الإنتاج والتسويق.

تقليل الاعتماد على المدخلات الكيميائية

وعلى صعيد العديد من المحافظات، منها البحيرة والفيوم وقنا والأقصر، تُسهم تدخلات برنامج المنح الصغيرة في تعزيز مرونة المجتمعات الزراعية أمام التقلبات المناخية، وتقليل الاعتماد على المدخلات الكيميائية مرتفعة التكلفة، والحد من الممارسات الضارة، مثل حرق المخلفات الزراعية، كما تدعم هذه المشروعات الربط بين البحث العلمي والإرشاد الزراعي والمزارعين، بما يساعد في نقل المعرفة، وتوطين التكنولوجيا الملائمة للبيئات المحلية.

التكيف مع التغيرات المناخية

وتقدّم محافظة البحيرة نموذجًا بارزًا للمبادرات المجتمعية، عبر مشروع «التكيف مع التغيرات المناخية وحماية الرقعة الزراعية بكفر الدوار»، المعروف بـ«المدارس الحقلية»، الذي تنفذه الجمعية المصرية لتنمية المجتمع المحلي، ويربط المشروع البحث العلمي بالممارسة الزراعية من خلال إدخال أصناف مقاومة للحرارة والملوحة ونقص المياه، وتطوير سلاسل قيمة، وصناعات صغيرة قائمة على المنتجات الثانوية، مع توفير فرص عمل مستدامة للسيدات، ودعم منظومة الإرشاد الزراعي.

يتكامل مشروع «المدارس الحقلية» مع مشروع آخر يجري تنفيذه في نفس المحافظة، باسم «أزولا مصر – الذهب الأخضر»، لجمعية الخدمات المتكاملة بكفر الدوار، الذي يعمل على تحويل نبات الأزولا إلى علف منخفض التكلفة، ومحسّن للتربة والمياه، باستخدام الطاقة الشمسية، مستفيدًا من مياه الصرف الزراعي المعاد تدويرها، مما يفتح آفاقًا لريادة الأعمال البيئية.

إعادة تدوير مخلفات النخيل

وفي محافظة الفيوم، يركز مشروع إعادة تدوير مخلفات النخيل ومكافحة سوسة النخيل بمركز إطسا، الذي تقوم بتنفيذه جمعية الآفاق العليا للتنمية وخدمة المجتمع، على تحويل المخلفات إلى أعلاف وأسمدة عضوية، إضافة إلى مكافحة الآفات التي تصيب أشجار النخيل، ورفع وعي آلاف المزارعين وأسرهم، مع تطبيق آليات القرض الدوار، لتعزيز الاستدامة الاقتصادية والبيئية معًا.

التخلص الآمن من المخلفات الزراعية

أما في محافظة قنا، فتتعدد نماذج الزراعة المستدامة، بدايةً من مشروع «بداية خير»، لجمعية كرامة للتنمية الشاملة، الذي يتصدى لمشكلات التلوث وتدهور الأراضي، عبر التخلص الآمن من المخلفات الزراعية، إلى مشروع «الخير كله في سفيرنا»، لجمعية تنمية المجتمع بنقادة، الذي يحارب حرق مخلفات قصب السكر واستخدامها في إنتاج أسمدة عضوية، مرورًا بمشروع «الإدارة المستدامة لمواردنا الطبيعية» لجمعية الشروق لتنمية المرأة الريفية، الذي يستثمر مخلفات المحاصيل لتوفير فرص عمل، وتمكين آلاف المزارعين والسيدات، باستخدام الابتكار والتكنولوجيا.

الزراعة المستدامة تغير شكل الحياة في قرى مصر

الحد من الانبعاثات الكربونية بالطاقة الشمسية

وفي الأقصر، تتجسد رؤية الزراعة المتجددة بوضوح، عبر مشروع «تطبيقات الزراعة المتجددة لمواجهة آثار التغيرات المناخية»، الذي تنفذه الجمعية القبطية للرعاية الاجتماعية، ويعمل المشروع على تحسين جودة التربة، والحد من الانبعاثات الكربونية، عبر استخدام الطاقة الشمسية، إلى جانب مشروع إعادة تدوير روث الخيول، لجمعية نور الإسلام الخيرية، الذي يعمل على تحويل مصدر تلوث حضري إلى سماد عضوي، ليحافظ على الطابع الجمالي للمدينة السياحية، وتوفير منتجات ذات قيمة اقتصادية.

كما تبرز مشروعات «قرية خضراء»، لجمعية معًا للتنمية بأصفون، و«معًا من أجل بناء مجتمعات زراعية مستدامة»، لجمعية رواد المستقبل للتنمية الاقتصادية، و«بادر»، لجمعية أم القرى لتنمية المجتمع، حيث تعمل هذه المشروعات على توظيف الطاقة الشمسية، ونظم الري الحديثة، والزراعة بالشتلات، لبناء مرونة مناخية حقيقية، وتحسين دخول المزارعين.

تحويل مخلفات القصب لأعلاف حيوانية وأسمدة

وتؤكد الدكتورة هالة يسري، رئيس لجنة التسيير الوطنية لبرنامج المنح الصغيرة، في تصريحات خاصة ل «الوطن» أن التجارب الميدانية، بداية من ندوات التوعية بزراعة قصب الشتلات، واستخدام نظم الري الحديثة، وتوظيف الطاقة الشمسية، إلى تحويل مخلفات القصب إلى أعلاف حيوانية وأسمدة عضوية، وإطلاق أول دفعة أسمدة عضوية من روث الخيول، وحقول القمح على المصاطب، تثبت أن التمويل الصغير، حين يتم توظيفه بذكاء، يمكنه أن يصنع أثرًا كبيرًا، مشيرةً إلى أن البرنامج لا يمول مشروعات بيئية فحسب، بل يبني شراكات تنموية بين المجتمع المدني والحكومات المحلية والمزارعين، ليقدم نماذج قابلة للتوسع والتكرار.

الزراعة المستدامة حجر الزاوية لتنمية الريف المصري

وتختتم أستاذ علم الاجتماع بقولها إن الزراعة المستدامة لم تعد خيارًا ثانويًا، بل حجر الزاوية لأي رؤية جادة لتنمية الريف المصري، ومن خلال الاستثمار الذكي في «الحقول الصغيرة»، ينجح برنامج المنح الصغيرة في تحقيق معادلة دقيقة، تجمع بين حماية البيئة، وضمان الأمن الغذائي، وتحسين سبل المعيشة، معادلة تُواجه تحديات الحاضر، وتفتح طريقًا لمستقبل أكثر استدامة للمجتمعات المحلية.


مواضيع متعلقة