إدارة المعركة.. «السيسي» يرسم خطاً أحمر أمام مخططات الاحتلال الإسرائيلي
إدارة المعركة.. «السيسي» يرسم خطاً أحمر أمام مخططات الاحتلال الإسرائيلي
منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب على قطاع غزة، فى السابع من أكتوبر 2023، اضطلعت القاهرة بدور إنسانى ودبلوماسى محورى فى أصعب اللحظات فى تاريخ القضية الفلسطينية، إذ دفعت مصر بثقلها السياسى من أجل تحقيق التهدئة بين إسرائيل والفلسطينيين، وقد تكللت الجهود المصرية بالنجاح فى التوصل لهدنة إنسانية وموافقة الجانبين على وقف إطلاق النار، بعد أكثر من عامين من تصعيد عسكرى هو الأعنف بين الطرفين، أسفر عن وقوع العديد من الضحايا، فضلاً عن تدمير البنية التحتية لقطاع غزة.
وعلى مدار أكثر من عامين، كرست القيادة السياسية المصرية جهودها فى تلك الأزمة، على إجهاض مخطط التهجير، وإنقاذ القضية الفلسطينية من محاولات تصفيتها، وقدّمت كل ما بوسعها لدعم الأشقاء الفلسطينيين، ومساعدتهم فى الحصول على حقوقهم المشروعة، وإقامة دولتهم المستقلة على حدود 1967، والعيش فيها بسلام.
ورسم الرئيس عبدالفتاح السيسى «خطاً أحمر» لمستقبل القضية الفلسطينية، حين قال: «أؤكد للعالم بوضوح ولسان مبين، وبروح صادقة تعبر عن إرادة كل مواطن مصرى: لن تُصفى القضية الفلسطينية دون حل عادل، ولن يكون ذلك على حساب مصر أبداً»، كما أكد الرئيس السيسى أنه لا يوجد حل عسكرى للصراع فى الشرق الأوسط، بل وحذر من اتساع رقعة النزاع فى الإقليم، مشدداً على أهمية اللجوء للحلول السلمية، وتفعيل «حل الدولتين»، ودعم إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 4 يونيو 1967.
وتحدثت القاهرة بصوت عال، وباللغة التى يفهمها الغرب، رافعةً شعاراً واضحاً وحاسماً: «رفض التهجير، والدفاع عن القضية الفلسطينية، وصون الأمن القومى»، وأكدت أن السلام العادل لا يتحقق إلا بإنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، ولم تُفوت القاهرة قمة أو مؤتمراً دولياً إلا وكانت القضية الفلسطينية وملف وقف الحرب فى صدارة أولوياتها، داعيةً إلى الاعتراف المباشر بالدولة الفلسطينية، إنصافاً لشعب حرم من حقه لأكثر من سبعة عقود.
قاد الرئيس السيسى جهود إرساء السلام والاستقرار فى قطاع غزة بالدعوة إلى «قمة القاهرة للسلام»، فى أكتوبر من 2023، بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب على القطاع الفلسطينى، وهى القمة التى استعرض خلالها الأسباب الحقيقية للصراع الممتد بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كما حرصت القاهرة على أن تكون منصة للحقائق أمام العالم، فاستقبلت رؤساء دول وحكومات وكبار المسئولين الدوليين، فى أقرب نقطة من حدود غزة، سواء فى معبر رفح، أو فى مدينة العريش، ليقفوا بأنفسهم على حقيقة الأوضاع الميدانية، ويروا كيف يُغلق الاحتلال معبر رفح من الجانب الفلسطينى، بينما تصطف مئات الشاحنات المحملة بالمساعدات فى انتظار الإذن بالعبور إلى القطاع، حاملة معها مقومات الحياة لأهله المحاصرين.
فى هذا السياق، قال الدكتور محمد الطماوى، خبير العلاقات الدولية، إن انعقاد قمة شرم الشيخ للسلام يعكس بوضوح ثقة المجتمع الدولى فى قدرة القاهرة على إدارة الملفات المعقدة فى المنطقة، مشيراً إلى أن العالم بات ينظر إلى مصر باعتبارها حجر الزاوية فى استقرار الشرق الأوسط، وأضاف أن القيادة المصرية أثبتت خلال السنوات الماضية، امتلاكها من الحكمة والرؤية الاستراتيجية، ما يجعلها قادرة على التعامل بكفاءة ومسئولية مع أدق القضايا الإقليمية وأكثرها حساسية.
وتابع «الطماوى» أن استضافة شرم الشيخ لهذه القمة التاريخية، لم تكن وليدة المصادفة، بل جاءت تتويجاً لمسار طويل من الجهود المصرية المتواصلة لوقف نزيف الدم فى غزة والدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وأكد أن القاهرة لم تكتفِ بدور الوسيط، بل تحولت إلى ضامن حقيقى للسلام العادل، ومظلة سياسية تجمع الفرقاء، وتعيد التوازن إلى المشهد الإقليمى، الذى كاد أن ينزلق نحو الفوضى، مشيراً إلى أن كلمات القادة المشاركين عكست تقديراً بالغاً للدور الشخصى للرئيس السيسى، الذى تحرك منذ بداية الحرب بخطوات مدروسة، جمعت بين الحزم والإنسانية.
وأوضح أن مصر أدارت المفاوضات من موقع القيادة لا الوساطة فحسب، مستندة إلى خبرتها الطويلة فى إدارة الأزمات الإقليمية، والتفاوض مع إسرائيل والفصائل الفلسطينية، إضافة إلى شبكة علاقاتها المتوازنة مع جميع الأطراف، بما تتمتع به من مصداقية عالية، وقنوات اتصال مفتوحة، تحظى باحترام وثقة الجميع، لدورها كوسيط سلام يحمل الخير لمنطقته، وأشار إلى أن مصر أثبتت، من خلال جهودها ومساعيها لوقف الحرب، أن القوة الحقيقية لا تقاس بعدد القتلى أو بما يطلق من نار، بل بالقدرة على إيقافها، وأن المنتصر الحقيقى هو من يصون وطنه ويتمسك بأرضه ويرفض مغادرتها، مهما اشتد الدمار أو الحصار.
من جانبه، قال أحمد العنانى، الباحث فى الشئون الدولية، إن الفلسطينيين يدركون الدور الحاسم للسيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى تصدى منذ اليوم الأول للحرب، لمخططات التهجير، وحشد دعم قادة العالم لنصرة القضية الفلسطينية، وأكد لهم أن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة هى الطريق الوحيد لتحقيق سلام دائم فى المنطقة، وأشار إلى أن مصر، منذ انعقاد «مؤتمر القاهرة للسلام» فى أكتوبر 2023، لم تتوقف عن جهودها لإقناع العالم بأن السلام الحقيقى لن يتحقق إلا بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، حتى جاء «مؤتمر شرم الشيخ للسلام» ليسجل أمام العالم، كيف استطاعت القاهرة، بإرادتها السياسية ودبلوماسيتها ومصداقيتها، أن تغير الخطاب الدولى لصالح فلسطين، وتثبت أن السلام يصنع بالإرادة وإعلاء صوت الحق.
وتابع: «مصر كانت وستظل رمانة الميزان فى المنطقة، تعمل دوماً من أجل إرساء السلام والاستقرار، وتحظى بثقة واحترام العالم، لأنها لا تسعى إلى مكاسب أو أطماع، بل تهدف إلى تحقيق الخير والسلام للجميع، وقمة شرم الشيخ للسلام جاءت تتويجاً لجهود مصرية وإقليمية ودولية استمرت لعامين متتاليين لوقف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وإنقاذ الشعب الفلسطينى والقضية الفلسطينية من مخاطر التصفية».
واختتم «العنانى» حديثه بالقول إن «أهمية القمة لا تنبع فقط من كونها احتفالية دولية بهذا الاتفاق الحيوى الذى ينهى الحرب فى غزة، بل لأنها منحت الاتفاق غطاء دولياً كاملاً، يشكل ضماناً لالتزام جميع الأطراف به، وخاصة الجانب الإسرائيلى، الذى اعتاد النكوص عن تعهداته السابقة»، وشدد على أن مكان انعقاد القمة، وحجم الحضور الدولى، مثلاً مؤشراً واضحاً على مكانة مصر الإقليمية، ودورها الرائد على الساحتين الإقليمية والدولية، كما عكسا اعترافاً عالمياً بالجهود الجبارة التى بذلتها القاهرة للوصول إلى هذه اللحظة المفصلية فى تاريخ الشرق الأوسط، وأكد أن هذا الإنجاز الكبير يحسب لمصر وقيادتها، كما أنه دليل جديد على تفانى الدولة المصرية، والتزامها الثابت بالقضية الفلسطينية، ودعم حقوق الشعب الفلسطينى.