ترامب و«جائزة إسرائيل».. تكريم بلا سلام
ظنى أنه الخبر الأنسب لاختتام 2025، «ترامب يفوز بجائزة إسرائيل للسلام»، خبر يلخص العام بإيجاز، ويختصر معظم أحداثه المفصلية، منذ تنصيب الرئيس الأمريكى فى ولايته الثانية يوم 20 يناير 2025، وحتى زيارة حليفه بنيامين نتنياهو له فى فلوريدا قبل نهاية العام بساعات قليلة، فى خامس لقاء يجمع بين الحليفين الأكثر إخلاصاً -ظاهرياً- لأفكارهما ولشعبيهما، والأكثر براجماتية -فعلياً- فى تاريخ العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. تحالف يعرف فيه كل طرف الآخر جيداً، ويجيد الربح منه بطريقته الخاصة. وكعادته، لا يذهب نتنياهو إلى صديقه ترامب فارغ اليدين. ففى كل لقاء بينهما كان يحمل معه مفاجأة جديدة. فى زيارة سابقة قدّم له شهادة تزكية رسمية من حكومة إسرائيل لترشيحه لجائزة نوبل للسلام، وأمس جاء بهدية أخرى، جائزة لم نسمع بها من قبل، أخرجها من جرابه مثل حاوٍ محترف، ليدغدغ بها مشاعر «سيد العالم»، الذى لا يملّ التكريم، ولا يشبع من الجوائز والألقاب، سواء تلك التى يمنحه إياها أصحاب المصالح، أو التى يمنحها هو لنفسه بنفسه.
وخلال المؤتمر الصحفى المشترك الذى انتظره العالم، لا سيما فى الشرق الأوسط، ولم يخرج بجديد ذى قيمة حقيقية، قال نتنياهو: «لقد خالف الرئيس ترامب العديد من الأعراف لمفاجأة الناس، لذلك قررنا مخالفة أحد الأعراف، أو ابتكار عرف جديد. هذا يعكس الشعور السائد لدى الإسرائيليين من مختلف الأطياف، فهم يقدرون ما فعلتموه لمساعدة إسرائيل ومعركتنا المشتركة ضد الإرهابيين». فيما رد ترامب واصفاً الجائزة بأنها «مفاجأة سارة ومحل تقدير كبير». و«جائزة إسرائيل» هى أرفع جائزة إسرائيلية تُمنح تقليدياً للتميز فى مجالات العلوم والإنسانيات والفنون وغيرها. غير أن فئة «السلام» التى قررت الحكومة الإسرائيلية منحها لترامب لم تُمنح من قبل، كما لم تُمنح الجائزة سابقاً لأى مواطن أو مقيم غير إسرائيلى. وفى يوليو 2025، عدّل وزير التعليم لوائح الجائزة للسماح -لأول مرة- بمنحها لمواطن أجنبى. وفى السياق نفسه، تدعم حكومة نتنياهو، بحسب ما أوردته شبكة (CNN) الأمريكية، ترشيح ترامب لجائزة نوبل للسلام لعام 2026.
وفى المقابل، بشّر ترامب حليفه نتنياهو بأنه تحدث إلى الرئيس الإسرائيلى، الذى أبلغه -بحسب رواية ترامب- أن العفو عن رئيس الوزراء «فى طريقه» للصدور. والمدهش أن مكتب الرئيس الإسرائيلى سارع إلى نفى هذا الكلام بعد ساعات قليلة من إعلانه، بحسب ما أكدته وكالة «رويترز»، فى مفارقة لافتة لا تقلل من حجم الدعم الأمريكى غير المسبوق لرئيس وزراء دولة الاحتلال، ولا من استعداد ترامب للوقوف خلفه فى الاختبار الأصعب الذى ينتظره خلال العام الجديد: اختبار الانتخابات الإسرائيلية.
وبحسب القانون الإسرائيلى، يملك الرئيس صلاحية العفو عن المدانين، إلا أنه لا توجد سابقة لإصدار عفو أثناء سير المحاكمة. ومع ذلك، تعززت مساعى نتنياهو للحصول على هذا العفو بدعم مباشر من حليفه الأقرب ترامب، الذى وجّه رسالة رسمية إلى الرئيس الإسرائيلى فى نوفمبر الماضى، حثّه فيها على منحه العفو، واصفاً القضايا المرفوعة ضده بأنها «ملاحقة سياسية غير مبررة». لكن ما يتجاوز الجائزة ذاتها ولافتتها الرمزية هو السياق السياسى الأوسع الذى جاءت فيه، وتوقيتها الذى لا يمكن فصله عن معركة داخلية يخوضها نتنياهو، ومعركة إقليمية ودولية يخوضها ترامب معه. فالجائزة هنا ليست تكريماً لشخص بقدر ما هى رسالة سياسية مركّبة: رسالة ولاء، ورسالة ضغط، ورسالة استثمار متبادل.
نتنياهو، المحاصر بقضايا الفساد، والانقسام الداخلى غير المسبوق، والانتقادات الدولية المتصاعدة بعد عام دموى فى غزة والمنطقة، كان فى حاجة إلى صورة قوية، لقطة واحدة تعيد تثبيت سردية «القائد الذى لا بديل عنه»، القادر على إدارة العلاقة الخاصة مع واشنطن، وجلب أقصى درجات الدعم من الرجل الأقوى فى العالم. وترامب، من جانبه، يدرك قيمة هذه الصورة جيداً، ويعرف أن كل إشارة دعم إسرائيلية له تُترجم داخل الولايات المتحدة إلى نقاط إضافية لدى قاعدته اليمينية والإنجيلية، التى ترى فى إسرائيل حجر الزاوية فى مشروعها الأيديولوجى. وهكذا، تصبح «جائزة إسرائيل» حلقة جديدة فى صفقة سياسية مفتوحة: نتنياهو يمنح التكريم والشرعية والرسائل الرمزية، وترامب يمنح الغطاء السياسى والحماية الدبلوماسية، وربما -إن أمكن- التأثير فى مسار العدالة الإسرائيلية نفسها.
أما المفارقة الأكبر فهى أن الجائزة التى تحمل اسم «إسرائيل»، الدولة التى طالما قدّمت نفسها بوصفها ديمقراطية ليبرالية تحترم القانون والمؤسسات، تُمنح لرئيس أمريكى اشتهر بتحدى الأعراف، وكسر القواعد، والضغط على القضاء، والاستخفاف بالقانون الدولى. وكأن الجائزة تعكس، من حيث لا تقصد، التحول العميق الذى شهدته إسرائيل ذاتها فى السنوات الأخيرة: من دولة تبحث عن شرعية أخلاقية، إلى دولة تُدار بمنطق القوة العارية والتحالفات الصلبة.
فى المحصلة، يمكن القول إن ترامب لم يفز فقط بـ«جائزة إسرائيل»، بل إن إسرائيل فازت بترامب.. مرة أخرى. فاز كل طرف بما يحتاجه فى هذه اللحظة: صورة، ودعم، ورسالة للخصوم فى الداخل والخارج. أما السلام، الذى يُفترض أن يكون العنوان الأسمى لأى جائزة من هذا النوع، فبقى الغائب الأكبر عن المشهد، مؤجلاً إلى إشعار آخر، وربما إلى عالم آخر.