عادل حمودة يكتب: أنا وعادل إمام في قائمة اغتيال واحدة!
عادل حمودة يكتب: أنا وعادل إمام في قائمة اغتيال واحدة!
كان الصحفيون والمفكرون والفنانون محاصرين بأسلحة الموت من جميع الجهات، لو نجوا من سكين النظام المنفرد بكل شيء، وجدوا أنفسهم في مواجهة رصاص الجماعات المتشددة التي تريد تفجير كل شيء، صحيح أن هناك كتابًا آثروا السلامة وابتعدوا عن المواجهة، وصحيح أن هناك نجوما أغمضوا عيونهم وصموا آذانهم عما يجري حولهم، ولكن صحيح أيضا أن هناك من الكتاب والنجوم من تصدي للفساد وواجه إرهاب سلطة خفية تسعي إلى أن تصبح حاكمة.
كان هذا حالنا في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، قطعا لم ننس الدكتور «فرج فودة» الذي هللت الجماعة الإسلامية يوم نجحت في اغتياله، وبعدها جاء الدور علينا وهو ما عرفناه لاحقًا، إذ تقرر اغتيالي أنا و«عادل إمام» وآخرين في الوقت نفسه تقريبا عام 1994، وفقًا لشهادة قيادات الجماعة الإسلامية لاحقًا.
في أغسطس 2023، استضاف محمد الباز في برنامجه «الشاهد» على شاشة «اكسترا نيوز»، «محمد كروم»، عضو الجماعة الإسلامية الذي أعلن توبته عن أفكار الجماعة، وقد نشأ في أسرة «ملتزمة» وقد سجن والده عامًا بعد اغتيال الرئيس «أنور السادات» وخرج بعدها متشبعا بفكر الجماعة الإسلامية، فيما انضم الابن «محمد» إلى الجماعة الإسلامية وترقي فيها حتى أصبح أمير لمنطقة «الزاوية الحمراء» التي اشتهرت بأحداث عنف طائفية وعندما بدأت المراجعات عقب حادث الأقصر في 17 نوفمبر 1997 تحول إلى باحث في شؤون الجماعات الإسلامية وبدأ يكشف عما خفي عنا سنوات سابقة طوال.
وفي برنامج «الشاهد» على «اكسترا»، وفي حلقة وثائقية على قناة «العربية» تحدث «محمد كروم» عن محاولة اغتيال «عادل إمام»، الذي صدر في عام 1994 تكليفًا بقتله، بعد فيلم «الإرهابي» إذ أجمع أمراء تنظيم «الجماعة الإسلامية» كلهم عن بكرة أبيهم على اغتياله، كما أراد تنظيم «الجهاد» التخلص منه، وتم تكليف المجموعة التي حاولت اغتيال رئيس الحكومة الدكتور «عاطف صدقي» بتصفيته ولكن تم القبض عليها قبل التنفيذ، فضوعفت الحراسة عليه، وقدم الأمن إليه نصائح يوميه التزم بها.
وبدأت مراقبة عادل إمام من مسرح «الهرم» الذي يعرض عليه مسرحياته، وكانت الخطة في البداية ضربه وهو في المسرح، لكن بدا أن ذلك سيؤدي الي القبض على المنفذين الذين لن يستطيعوا الخروج من المكان المزدحم والمحاصر برجال أمن يرتدون ملابس مدنية ويجلسون وسط الجمهور، فوضعت خطة أخري لقتله امام بيته بعد رصد حراسته التي حصنته وجعلت من الصعب النيل منه.
كان عادل إمام يتصدى للجماعات الإسلامية المسلحة بجرأة وشجاعة وعن عقيدة وقناعة، لم يعتد امرائها أن يقف أحد امامها، بحسب «كروم»، خصوصًا أن قيادات الجماعات كانت تعتقد أنها تمتلك صحيح الدين الذي يتمسكون به إلى جانب أنهم لم يقبلوا بمن يتجرأ عليهم واعتبروها جرأة على الإسلام ذاته، وفي حيثيات حكمهم بقتل «عادل» فقد أرادوا أن يجعلوه منه عبرة لغيره حتى لا يخطو أحد خطاه.
كان لابد من ردع "عادل إمام" لأنه تجاوز الخطوط الحمراء كلها - خاصة بعد فيلم الإرهابي- فحكموا عليه بالكفر وقرروا أن يطبقوا عليه حد الردة.
يتوقف «محمد كروم» عن السرد قليلا لنعرف منه أنه كان مكلفا بتلقي الأوامر من قيادات الجماعة في السجون، وفي إحدى زيارته لوالده الذي كان من قادة تنظيم الجهاد انتظر لتلقي التعليمات بشأن مفتى الجمهورية الدكتور «محمد سيد طنطاوي» بعد تأييده حكم الإعدام ضد قاتل الدكتور «فرج فودة» إلا أنه فوجئ بأن «عبود الزمر» يكلفه باغتيال «عادل إمام».
وفقًا لشهادته قال «مكروم» إنه في هذه الفترة كانت الجماعة تعرف أن والده في السجن فكان أمرائها الذين تواروا عن عيون الأمن في أماكن خفية يستخدمونه في نقل وجهة نظرهم إلي القيادات في «ليمان طرة» ونقل رد القيادات المسجونة إليهم.
يتابع: «التقيت بالشيخ عبود الزمر وقلت له إن الاخوة بره يريدون التخلص من الدكتور محمد سيد طنطاوي بعد أن وافق على إعدام عبدالشافي رمضان، قاتل فرج فودة، فكان رد عبود أن طنطاوي يستحق القتل فهو رجل ظالم ضال مضل وعالم من علماء السلطة ولكن قتله ستستغله الدولة إعلاميا في تشويه صورتنا بقتل رجال الدين، بينما المعركة الآن مع الشرطة والجماعة لا تريد إدخال أطراف دينية فيها حتى لا يتسع الهجوم عليها وتتهدد شعبيتها».
وفقا لـ«كروم» فقد سأله «عبود الزمر»: هل برا توجد مجموعة جاهزة لتنفيذ عملية؟ فأجابه بنعم، فقال له «الزمر»: «طيب يقتلوا عادل إمام، أقتلوه ولكن لا تسألوني عن أي شيء لا تقولوا سلاح ولا ذخيرة ولا كذا أتصرفوا واقتلوه».
يحكي عضو الجماعة الإسلامية في شهادته: «فرحت جدا بالتكليف، كنا طبعا شايفين عادل إمام من أشد أعداء الإسلام من وجهة نظرنا وقتها، وإنه بيحارب عن فكر وربما انضم الي حزب المستقبل الكافر الذي يؤسسه صديقه الشخصي فرج فودة، وعندها بلغت التكليف للقيادات فقابلوه بالترحاب الشديد».
بدأ إعداد العدة للتخلص من عادل إمام، ولكنه حسب «كروم» كان طوال الوقت يتمتع بحراسة شديدة سواء من الدولة أو خاصة، ما صعب عليهم الأمر وأخذوا وقتًا طويلا لعلهم يكتشفون ثغرة ينفذون منها إليه لكن تم القبض عليهم.
يتابع «كروم»: «عندما تم القبض علينا اكتشفت أن الأمن لا يعرف شيئا عن خطط قتل عادل إمام، ومن جانبي لم أصرح به لأحد فلم يكن غيري يعرفه يعني مجموعة الاغتيال كانت تعمل ولم يقبض على أحد فيها سواي».
وكما أكد «كروم» أن «عادل إمام» لم يكن يعرف بما كان يدبر له ولا الأمن، كنت أنا أيضا لا أعرف بتدبير الجماعة الإسلامية محاولة الجماعة لاغتيالي إلا فيما بعد، وإن كنت شعرت بشيء ما يستحق الانتباه عندما فُرضت حراسة على بيتي أكثر من مرة وسرت شائعات لم يؤكدها أحد في جهاز الأمن بأن أعضاء في تنظيمات إسلامية اعترفوا بوضعي على قائمة الموت في اثناء التحقيقات معهم.
ففي برنامج «الشاهد» مع محمد الباز، كشف «محمد كروم» عن أنه مع قتل فرج فودة، فتحت الجماعة الإسلامية جبهة جديدة، إذ رأت أن هناك عدد من الكتاب وأصحاب الرأي والفكر والممثلين، استطاعوا حصار الجماعة الإسلامية وكشف زيفها، فرأت الجماعة أنهم أخطر عليها من الأجهزة الأمنية، وكان على رأس هؤلاء فرج فودة، كما ضمت القائمة «عادل حمودة» وكنت بشهادة «كروم» من أشهر الناس في الكتابة ضدهم، فعندما بدأت مراجعات وقف العنف كانت الجماعة تأتي بمقتطفات من الصحف لتعرف رأي الكتاب فيها، ومنها مقالاتي، فوضعوني في قائمة الاغتيالات وتحركوا ضدي.
ولعل ما يؤكد كراهية الجماعة الإسلامية لي، أنه بعد ارتفاع حصيلة ضحايا مجزرة أسيوط التي نفذتها الجماعة الإسلامية في يوم 8 أكتوبر 1981، بعد يومين من اغتيال الرئيس السادات، وكان الجناة فيها «كرم زهدي، وعاصم عبدالماجد وعلى الشريف وفؤاد الدواليبي» وغيرهم، خرج «كرم زهدي» يمهد للمصالحة مع النظام بمنح السادات لقب شهيد بعد أن رماه بالكفر قبل أن يرميه بالرصاص، ثم أعلنوا - بعد المصالحة- أن مثواه الجنة، وهنا شعرت بأن مثل هذه التصريحات تعني أن صاحبها لا يزال يتصور نفسه صاحب قداسة يمنح الغفران لمن يشاء ويرسل إلى جهنم من يشاء، ما يعني أنه لم يتغير، فكتبت مقالا في «الأهرام» قلت فيه إن مسجوني تلك التنظيمات الدينية لا يختلفون عن مسجوني العصابات الجنائية، ما يعني أن يظلوا في السجون حتى يكملوا مدة العقوبة المحكوم بها عليهم وكل ما لهم من حقوق علينا هو تأهيلهم نفسيًا للعيش في المجتمع من جديد مثلهم مثل غيرهم من المجرمين والمسجلين خطر».
وهنا أعتقد «كرم زهدي» أن الأمن وراء نشر المقال، فأعلن غضبه وهدد بإيقاف المصالحة فتدخل مدير مباحث أمن الدولة في القاهرة، وقال له إن «عادل حمودة» هذا كاتب يتصرف «من دماغه»، ثم اتصل بي مدير المباحث مفسرا ما يجري سرًا، وحاولت جاهدًا أن أشرح له استحالة التوافق بين الطرفين فالتناقضات بينهما حادة ويختلفان في الفلسفة التي يقوم عليها النظام السياسي، نحن ندعو إلى دولة مدنية وهم يصرون على دولة دينية، نحن نؤمن بالحوار وهم يؤمنون بالرصاص، نحن نحترم القانون وهم يتبعون فتاوي أمرائهم.
وتساءلت: «هل يسهل على جماعات شربت العنف منذ شبابها أن تتوب عنه بهذه السهولة؟ أليس في صفقة الحرية مقابل إيقاف العنف مناورة للخروج من السجن ليبقي ما في القلب في القلب؟»، ومن جديد كررت في كتاباتي أن المصالحة لن تزيد عن هدنة لن تثنيهم عن العودة إلى السلاح بأنفسهم أو بأجيال جديدة تأثرت بهم ولو بعد حين وهو ما حدث فيما بعد، وشاهدناه بأعيننا قبل أعوام، عندما جاء عاصم عبدالماجد، العجوز الذي شاب على الإرهاب إلى منصة «رابعة العدوية» يسقط توبته وينفذ تعليمات أميره الجديد «خيرت الشاطر»، في دليل على صحة ما توقعت.