عبلة كامل.. هى دى «عبلة» يا مصر
رأساً برأس.. تقف الشابة الصغيرة «عفاف» بنت «معتوق الترزى» أمام «حافظ بك رضوان»، رب عملها.. عينها فى عينه، وصوتها أعلى من صوته: «أنا لا يهمنى أنت ولا فلوسك ولا البهوية اللى أنت ماسك فيها زى ما تكون الدنيا لسه ما اتغيرتش، ولا يهمنى حتى إنى أكون مرات ابنك».. تتركز الكاميرا على وجه «البيه» وكأن الهجوم باغته فلا ينطق بكلمة فيما تواصل هى: «أنا يهمنى حاجة واحدة بس.. إنى أبقى حرة نفسى، وأقف قدامك كده وأقول اللى أنا عاوزاه».
مشهد صغير لا يتجاوز دقيقة واحدة، تظهر فيه صاحبة الوجه الجديد عبلة كامل فى مواجهة الممثل العتيد يوسف شعبان ضمن أحداث مسلسل «الشهد والدموع».. شىء ما فى أداء هذه الممثلة صغيرة السن يدفعك لأن تتعاطف معها، ربما ثقتها بنفسها وهى تقف على قدمين ثابتتين دون أن يرمش لها جفن.. ربما نبرة صوتها وهى تتأرجح ما بين التحدى واليأس.. ربما صدق مشاعرها وهى تبكى فى ختام المشهد، قبل أن تخرج من مكتب صاحب العمل ورأسها مرفوع وكرامتها «فى السما».. وربما كل ما سبق يجعل المشاهدين الذى تابعوا العمل الدرامى الذى عُرض للمرة الأولى فى منتصف الثمانينات يتعلقون بالممثلة الشابة، فيتابعونها فيما سيتلو ذلك من أعوام، وهى تتنقل بين الأعمال الدرامية، وتلعب أدوار التراجيديا والكوميديا بصدق شديد، واحترام أشد، لا ترتدى ملابس مكشوفة، ولا تفرط فى استخدام مساحيق التجميل، تنأى بنفسها عن الظهور الإعلامى، وتمتنع برغبتها عن الاحتفالات والتكريمات، تُسدل على حياتها الخاصة ستاراً كثيفاً، فيصبح من الصعب اصطيادها فى حكايات النميمة الفنية، وحين تختار الغياب، تبتعد، فيحترم الجميع قرارها حتى ولو لم يرضوا عنه كل الرضا.
أكثر من أربعين عاماً استغرقتها رحلة عبلة كامل مع التمثيل، نسجت خلالها علاقة من نوع فريد مع جمهورها، بالنسبة لهم هى ليست ممثلة فقط، إنها واحدة من الأسرة.. ابنتهم أو أختهم أو خالتهم أو أمهم، يتجلى ذلك فى نوعية الأدوار التى اختارت أن تلعبها: «رقية البدرى» فى «ليالى الحلمية».. «سعاد» فى «يوم حلو ويوم مر».. «سنية إمام عبدالمتجلى» فى «وجهة نظر».. «آمال» فى «سيداتى آنساتى».. «تُقى» فى «ضمير أبلة حكمت».. «رقية المالكى» فى «المال والبنون».. «عواطف» فى «سواق الهانم».. إلى أن تأتى الضربة القاضية بدور «فاطمة كشرى» فى مسلسل «لن أعيش فى جلباب أبى».
عاشت «فاطمة كشرى» فى ضمير المصريين كما لم تعش شخصية درامية من قبل، إنها ربة البيت البسيطة التى تقتسم مرارة الحياة مع «عبدالغفور البرعى» الزوج الفقير، فترضى بقليلها وتحمد الله عليه رغم كثرة الأولاد، وحين يفتح الله على الزوج الفقير فلا يصبح فقيراً، تعيش نفس الحياة التى كانت تعيشها من قبل بلا تجميل أو تزويق، قد يزيد عليها فقط بعض الأساور الذهبية التى ترن فى ذراعيها حين تحركهما وهى تخرط الملوخية أو تُعد «دقية المسقعة».. ترعى بناتها بنفس القدر الذى ترعى به الابن الوحيد حين يتركها ويسافر للدراسة فتوصيه بدموعها: «البس فانلة خلف خلاف عشان البرد.. وابقى اتغطى حلو»، تقف على رأس بوفيه فرح «سنية» ابنتها، لتوزع «المنابات» على المعازيم، وتسيطر على اندفاع الأبناء، فتتوعد «بهيرة» حين تصرخ «ما أكلتش مكرونة»، وتنهر «نظيرة» حين تقول «هاتى حتة»، ترتدى فستاناً بـ«ترتر» وتختلس لحظات ترقص فيها أمام الكوشة كما يليق بأم العروسة التى اكتملت فرحتها برؤية ابنتها فى فستان الفرح.
بعد «فاطمة كشرى» تتربع «عبلة» على قلوب المصريين بلا منافس، هى بطلة مسلسل «حديث الصباح والمساء» بشخصية «جليلة الطرابيشى» رغم تصدر غيرها تتر البداية، وهى أيضاً فاكهة مسلسل «هوانم جاردن سيتى» بشخصية «شكران» رغم ازدحام العمل بالجميلات، هى مصدر البهجة فى أفلام «اللمبى»، و«كلم ماما»، و«خالتى فرنسا»، و«عودة الندلة»، و«سيد العاطفى» رغم هجوم النقاد عليها واتهامها بـ«الإسفاف».. حتى دور «ريا بنت همام»، أشهر سفاحة فى تاريخ الجريمة المصرية، فى مسلسل «ريا وسكينة» يتلقفه الجمهور بحب وإعجاب، ولا يملون مشاهدته مهما مرت عليه السنون.
تختار «عبلة» عزلتها بكامل إرادتها حين تبتعد عن الساحة الفنية، ينقب الجمهور عن أى أخبار تطمئنهم عليها، ينزعج الجميع من خبر إصابتها بمرض لا يعرف أحد تفاصيله، يدعون لها فى سرهم وجهرهم بأن يمن عليها الله بالشفاء، وعلى ألسنتهم رسالة لها من كلمتين: «بنحبك يا عبلة».