التهامي.. القلب يعشق كل «ياسين»
بهذه الكلمات البسيطة، يحلو للشيخ ياسين التهامى، الذى ملأ الدنيا وشغل الناس، أن يقدم نفسه إلى جمهوره المتلهف دوماً للتعرف أكثر على مصدر سعادته.
6 ديسمبر 1948 كان ميلاده فى بيت عامر بذكر الله، ومحبة المصطفى صلى الله عليه وسلم وآل بيته الكرام وأولياء الله الصالحين.. نال نصيبه من التعليم الأزهرى حتى الصف الثانى الثانوى، وما زال يحتفظ لنفسه إلى اليوم بالسر الذى أوقفه عند هذه المحطة التى انتقل بعدها إلى عالم أرحب وأوسع هو الإنشاد والمديح النبوى، اتصالاً بما هو منغمس فيه بحكم نشأته الصوفية، وقربه من والده الذى شهد له المحيطون به بالولاية.. كان قلب ووجدان الفتى ياسين يهيم وجداً وطرباً وسط الذاكرين من حوله.. يخلع النفس على أعتابهم ويمتثل لأحكامهم ويستبشر بإشاراتهم.. يذوب فى حلقات الذكر ويطوف على الدراويش والفقراء يُطعمهم ويُضايفهم، ولا يدرى أنه سيصبح يوماً نجماً يلمع وسط هذه الدوائر النورانية.. بعد سنوات ينتقل الوالد إلى رحاب مولاه ويقام له ضريح يعكف ولده ياسين وشقيقه الأكبر الجميل محمود على خدمته وإقامة مولد سنوى له.. وفى عام 1973 يقف الشاب ياسين منشداً فى ساحة والده ليحظى بإعجاب كبير، ويبدأ مسيرته فى عالم الإنشاد التى سلَّم لها نفسه إلى حيث تمضى.
فى كتاب «أسرار عميد دولة الإنشاد» للكاتب محمد الباز، يجد المحب للشيخ ياسين نفسه أمام شلال من التفاصيل التى لم يكن يعرفها أحد من قبل عن التهامى، حياته الخاصة، المؤثرين فى نشأته واختياراته، آرائه فى أساطين الإنشاد والمديح «أحمد برين، أحمد التونى، محمد العجوز، وغيرهم»، ارتباطه الخاص جداً بأم كلثوم ووراثته لحبها عن والده، وفرصة تعاونه التى لم تكتمل مع عمار الشريعى.. لكن مع غزارة تلك التفاصيل وثرائها، تتفوق عليها نبرة الشجن الدفين التى تغلف حديثه عن نفسه.. «ياسين بعين ياسين».. لا يرى سوى «عبد فقير، قدّر له المولى أن يصل لما وصل إليه دون إرادة منه أو مهارة يمتلكها.. فيتماهى مع ما يراه الناس فيه من (نجم أو منشد مبدع).. صراع كبير يطحن روحه بين ياسين الذى بداخله وياسين الذى يظهر على الناس.. ويطارده دوماً سؤال مؤرق (انت مين يا ياسين؟!).
هذه الحالة المحيرة ربما تفسر لى ما لمسته عن الشيخ ياسين كلما واجه الكاميرا ليتحدث عن نفسه.. نفور واضح من أجواء النجومية والأضواء الملونة، وحديث جاف ومقتضب، ومخارج يرددها متعجباً ومُسلِّماً أمره لله، مثل (سبحان الله.. ولا حول ولا قوة إلا بالله)، ربما كان وراء هذه الحال شعور بأن هذه اللقاءات تستهدف الظاهر فقط من تجربته الروحية والفنية وتتعامى عن الجزء الغاطس فيها.
إحدى أهم المحاولات الجادة، من وجهة نظرى، للوقوف على ظاهرة ياسين التهامى بالبحث والنقد والسرد معاً، فعلها بكفاءة ونعومة فى السرد والحكى، الكاتب محمد الباز فى كتابه عن الشيخ ياسين، ومن قبله الصديق الروائى أحمد أبوخنيجر الذى وضع الظاهرة فى سياقها التراثى وحلل تأثير النشأة فى الجنوب على مسارها وتطورها، ضمن كتابه «الإنشاد الدينى فى جنوب مصر»، يضاف لذلك استثناءات قليلة، تعاملت معه بالتقدير اللائق لمكانته، أبرزها اختيار صورته لتتصدر غلاف مجلة الإذاعة والتليفزيون منتصف مارس 2025، إذ لم يكن أمام الصديق العزيز خالد حنفى، رئيس تحرير «الإذاعة والتليفزيون»، وفريق المجلة اختيار آخر عندما قرر أن يزين الغلاف بصورة طولية باسمة للشيخ ياسين، مشاركة من المجلة فى تكريم ماسبيرو له.
ويبقى التجديد.. هو العنوان الكبير لتجربة ياسين التهامى التى وصلت للعالمية.. اختاره مبكراً بعد دراسة عميقة استغرقت سنوات لأشعار أقطاب الصوفية، على رأسهم ابن عربى وابن الفارض ورابعة العدوية والجيلى والجيلانى والحلاج، وشعراء من العصر الحديث مثل علية الجعار وأحمد شوقى وحافظ إبراهيم وغيرهم.. يقول عن ذلك: «أنا مجرد مرسال لكلمات الأولياء، أحملها لمريديهم بأمانة.. لا أختار الكلمات، بل هى التى تختارنى».. وهو بلا شك تجاوز بتجربته كثيراً من المنشدين الكبار السابقين الذين تعلَّم على يدهم، وأدوا رسالتهم فى الحفاظ على التراث الإنشادى ونقله للأجيال التالية.. هذا ما تنبهت له صحف ومراكز ثقافية أوروبية مبكراً واعتبرت التهامى إحدى ظواهر الشرق الآسرة العابرة للحدود واللغات.
حصد من الألقاب المستحقة ما يقرِّب المسافة بين عظمة تجربته والقدرة على وصفها، كروان وسلطان وهائم فى حب الله.. أما ياسين نفسه فلا يرى فى ذاته سوى الفقير إلى الله محب آل البيت وخادم الأولياء.. وليس بوسعى هنا إلا أن أرجوه: (انشد يا ياسين ليوم الدين.. القلب يعشق كل ياسين).