نجاة.. عيون القلب
تماماً كالقيثارة.. تلك الآلة التى يكفى أن تلمس أوتارها بخفة، ليولد منها صوت قادر على ملامسة ما خفى من مشاعر، هكذا كانت نجاة الصغيرة، النغمة التى عزفت منفردة على وتر «السهل الممتنع» فاستحقت عن جدارة أن تلقب بـ«قيثارة الغناء العربى» التى لديها السر الذى حير الجميع، كيف تخرج كل تلك القوة من كل تلك الرقة.
هذه القيثارة لم تصنع فى الفراغ، بل شكلت تفاصيلها بدقة فى بيت الخطاط الدمشقى العريق بالقاهرة، حيث ولد الفن بالوراثة فى منزل محمد حسنى البابا، تفتحت حواس الطفلة المولودة عام 1938، لتجد نفسها وسط عائلة لا تتحدث إلا لغة الإبداع، شقيق يلحن، وآخر يعزف، ومعجزة أخرى لهذا البيت شقيقتها الصغرى من الأب السندريلا «سعاد حسنى».
وقفت الطفلة ذات الخمس سنوات لتغنى فى حفل وزارة المعارف، وتقلد أم كلثوم ببراعة مذهلة، حتى أطلق عليها الكاتب الصحفى فكرى أباظة لقب «المعجزة الصغيرة»، فكانت تلك المحطة الأولى لطفلة صغيرة تحمل صوتاً وموهبة كبيرة، وثقت عام 1946 خطوتها الأولى أمام الكاميرا فى فيلم «هدية» حينها أدرك الجميع أنهم أمام «حالة» لا تتكرر، وكأن اللقب «الصغيرة» الذى كان وسيلة للتمييز بينها وبين مطربة أخرى تحمل الاسم نفسه «نجاة على»، أصبح رمزاً لهويتها الفنية فيما بعد.
خلال أكثر من 40 عاماً، قدمت «نجاة» أكثر من 200 أغنية، تعاونت فيها مع أعظم الملحنين والشعراء، لتصبح صوتاً يتردد فى وجدان كل مستمع، وجاءت النقلة الكبرى فى مسيرتها حين اختارت الخروج من عباءة الأغانى الخفيفة إلى عمق القصيدة، لتصنع لنفسها مساحة فريدة بين الصوت والكلمة، وهنا وُلد «المثلث الذهبى» الذى صنع أسطورتها: صوت نجاة وألحان موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب الذى وصفها بأنها «صاحبة السكون الصاخب»، وكلمات نزار القبانى الذى اعتبرها «الرسول الأمين» لقصائده، الذى نقلته نجاة من دواوين المثقفين إلى شفاه العامة، فجعلت من «أيظنّ» و«ماذا أقول له» رسائل غرامية تدور فى فلك البيوت المصرية، وتوالت الروائع مع بليغ حمدى والموجى وكمال الطويل، فكانت «عيون القلب» مرآة للحب الصادق، و«أمّا براوة» همسة للحنين، و«فى وسط الطريق» تعبيراً عن الفقد والانتظار، أما أغنية «أنا بعشق البحر»، فكانت صديقاً لكل من يزور البحر، نغمة تنساب مع الأمواج، إلى درجة أن مطربين آخرين مثل محمد منير كرروا غناءها، لتصبح جزءاً من ذاكرة الموسيقى العربية، نشيداً للشغف والحرية وهدوء الروح.
ولأن الصوت وحده لم يكن كافياً لاحتواء كل هذا السحر، فتحت نجاة نوافذ السينما لتطل منها كوجه ملائكى يكمل لوحة «الرومانسية الحالمة» بشخصيتها الحقيقية، وخجلها، وصوتها الذى يسبق حضورها. كانت السينما بالنسبة لها مساحة أخرى للبوح، فقدمت عدداً محدوداً من الأفلام، 10 أفلام، لكنه كان كافياً ليحفر صورتها فى الذاكرة السينمائية كأيقونة للرقة.
لا يزال فيلم «الشموع السوداء» هو التاج الذى يزين مسيرتها السينمائية؛ ففى وقوفها أمام المايسترو «صالح سليم»، جسدت نجاة المعنى الحرفى لانتصار الرقة على القسوة، وحولت أغنية «لا تكذبى» فى سياق الدراما إلى مشهد سينمائى خالد يتجاوز حدود الطرب. ولم تتوقف عند التراجيديا، بل أثبتت فى «سبعة أيام فى الجنة» و«شاطئ المرح» أنها تمتلك خفة ظل راقية، وفى «ابنتى العزيزة» و«جفت الدموع» رسخت صورة الفتاة المصرية التى تجمع بين العصرية والاحتفاظ بالقيم. ورغم نجاحها على الشاشة، فإن ذكاء نجاة الفطرى جعلها تدرك أن السينما قد تستهلك هالة «الغموض» التى تحيط بها، فاختارت أن تنسحب من البلاتوهات مبكراً، لتظل «مطربة» فى المقام الأول، تاركة الشاشة لملكتها المتوجة سعاد حسنى، ومكتفية هى بلقب «الضوء المسموع» كمل لقبها كامل الشناوى «قيثارة» تعزف على أوتار القلوب من خلف الستار.
هذا التفرد جعل «الصغيرة» كبيرة فى عيون قادة وزعماء المنطقة، فلم يكن صوتها ملكاً للعامة فقط، بل كان سفيراً للمشاعر الراقية، مما استوجب التقدير الرسمى لها، فمن وسام الرئيس جمال عبدالناصر، إلى تكريم الرئيس السادات، ووسام الحبيب بورقيبة، وصولاً إلى «وسام الاستقلال من الدرجة الأولى» الذى قلدها إياه الملك الحسين بن طلال فى الثمانينات؛ كانت «نجاة» تجمع المجد من أطرافه، تؤكد أن الفن الحقيقى هو القوة الناعمة التى تنحنى لها الرؤوس احتراماً.
ورغم البعد، فإن نجاة تظل الحاضر الأقوى فى ذاكرتنا، التى أثبتت بصدق إحساسها أن «البعيد منك قريب.. والقريب منك بعيد»، سيرتها الفنية حقاً «شكل تانى» لا يتكرر، وصوتها لا يزال يتكرر فى «عيون القلب» اللى «سهرانة مبتنمش» تحرس وجودها، وكأنها «همس الكلام» الذى لا يموت.. حضور دائم فى قلوب كل من أحب صوتها وحياة الأغنية التى صنعتها.