يحيى الفخرانى.. حارس الذائقة الجمالية

أشرف زكى

أشرف زكى

كاتب صحفي

يُعَدّ يحيى الفخرانى أحد أبرز النماذج الاستثنائية فى تاريخ الفن المصرى والعربى، لا بوصفه ممثلاً يمتلك رصيداً كبيراً من الأعمال الناجحة فحسب، بل باعتباره مشروعاً فنياً وثقافياً متكاملاً، تشكّلت ملامحه عبر مسار طويل من الوعى المعرفى والاشتباك الإنسانى العميق مع الأسئلة الكبرى التى يطرحها الفن بوصفه أداة فهم للوجود، لا مجرد وسيلة للترفيه أو الاستهلاك السريع، فالفخرانى، منذ بداياته، لم يتعامل مع التمثيل كحرفة تقنية أو وسيلة للنجومية، بل بوصفه فعل تفكير، ومجالاً لتحليل الإنسان فى ضعفه وقوته، وفى تناقضاته الداخلية وعلاقته بالمجتمع والتاريخ والسلطة والزمن.

لم يدخل يحيى الفخرانى عالم الفن من بوابة المصادفة أو النزعة الاستعراضية، ولم يكن نتاج موجة عابرة أو صناعة نجم بالمعنى الشائع، بل جاء إليه محمّلاً بخلفية علمية ومنهج تحليلى صارم، انعكس بوضوح على طريقته فى بناء الشخصية الدرامية، فقد أتاح له تكوينه المعرفى أن يتعامل مع الدور كما لو كان حالة إنسانية مكتملة الأبعاد، لها تاريخ نفسى واجتماعى وفكرى، وليست مجرد نص مكتوب ينتظر التنفيذ، ومن هنا، لا يبدأ الفخرانى من الشكل الخارجى للشخصية، بل من بنيتها الداخلية، ودوافعها، ومخاوفها، وتناقضاتها، وعلاقتها بالبيئة التى تشكّلت فيها، إن هذه المقاربة جعلت أداءه يتسم بعمق خاص، حيث يبدو الدور كائناً حياً يتحرك وفق منطق داخلى متماسك، لا وفق متطلبات الحبكة وحدها.

وعبر مسيرته الطويلة، أسس الفخرانى ما يمكن تسميته بـ«مدرسة الأداء الهادئ العميق»، وهى مدرسة تقوم على الاقتصاد فى التعبير، وضبط الانفعال، والاشتغال الدقيق على التفاصيل الصغيرة التى قد لا تُلتقط سريعاً، لكنها تُحدث أثرها التراكمى فى وعى المتلقى، فالأداء عنده لا يعتمد على الصراخ أو المبالغة أو الاستدرار السهل للعاطفة، بل على بناء داخلى طويل النفس، يجعل الشخصية تنمو تدريجياً أمام المشاهد، وتكشف عن طبقاتها النفسية والفكرية دون خطاب مباشر أو افتعال درامى، وهو أداء يحترم ذكاء المتلقى، ولا يفرض عليه معنى جاهزاً، بل يدعوه إلى المشاركة فى اكتشاف الدلالة.

ويحتل الصوت مكانة محورية فى أدوات الفخرانى التمثيلية، إذ لا يتعامل معه بوصفه وسيلة للإلقاء أو التأكيد الخطابى، بل كعنصر دلالى قائم بذاته، فاختياراته لنبرات الصوت، وتوظيفه للصمت، وطريقة إدارته للإيقاع الكلامى، كلها عناصر تشارك فى صناعة المعنى، فالصمت عنده ليس فراغاً، بل لحظة امتلاء، والنبرة الخافتة ليست ضعفاً، بل تعبير عن توتر داخلى أو وعى مأزوم، بهذه الأدوات، يتحول الأداء إلى لغة مركبة تتجاوز الكلمة المنطوقة، وتُراكم المعنى عبر الإيماءة والنظرة والتردد المحسوب.

فى الدراما التليفزيونية، شكّل يحيى الفخرانى علامة فارقة لا يمكن تجاوزها، ليس فقط بسبب النجاح الجماهيرى الكبير لأعماله، بل لما حملته من أسئلة ثقافية وتاريخية وإنسانية عميقة، فعلى سبيل المثال وليس الحصر، فى «ليالى الحلمية» لم يكن حضوره مجرد تجسيد لشخصية درامية، بل كان جزءاً من مشروع سردى واسع يرصد تحولات المجتمع المصرى عبر عقود من الصراع الاجتماعى والسياسى، حيث تحولت الشخصية إلى مرآة للتاريخ، لا مجرد فرد معزول، وفى «زيزينيا» اشتبك الفخرانى مع إشكاليات الهوية والانتماء والذاكرة، فى سياق اجتماعى وثقافى معقد، جعل من العمل مساحة للتأمل فى سؤال الانتماء الوطنى والطبقى والثقافى. أما فى «الخواجة عبدالقادر»، فقد قدّم نموذجاً إنسانياً بالغ الخصوصية، حيث رصد تحولات الإنسان الداخلية فى مواجهة السلطة والروح واليقين، مقدماً رحلة تحول لا تقوم على الخطابة أو المباشرة، بل على التراكم النفسى البطىء، وفى «دهشة» أعاد الفخرانى قراءة نص شكسبيرى كلاسيكى وهو «الملك لير» داخل سياق مصرى معاصر، دون أن يُفرغه من جوهره الإنسانى الكونى، بل أعاد طرح أسئلته الكبرى حول السلطة والجنون والعائلة والخذلان، بلغة محلية عميقة الدلالة، أما فى «نجيب زاهى زركش»، فقد قدّم صورة نادرة للشيخوخة، لا بوصفها مرحلة ضعف وانكسار، بل بوصفها زمن الحكمة والمراجعة والمصالحة مع الذات، كاسراً الصور النمطية السائدة عن العمر والقدرة.

وعلى خشبة المسرح، بدا يحيى الفخرانى ممثلاً من طراز خاص، يمتلك شجاعة المواجهة المباشرة مع الجمهور، ووعياً حاداً بطبيعة المسرح كفن حى يقوم على التفاعل اللحظى، وتظل تجربته فى «الملك لير» واحدة من أهم المحطات المفصلية فى تاريخ المسرح العربى المعاصر، لا لأنها استعادة لنص عالمى فحسب، بل لأنها قراءة إنسانية جديدة أعادت طرح النص فى سياق محلى دون أن تفقده عمقه الكونى، لقد تعامل الفخرانى مع النص لا بوصفه أثراً مقدساً يُستنسخ، بل بوصفه مادة حية قابلة للحوار والتأويل، وهو ما منح التجربة طزاجتها وقوتها، وهو ما دفعه لتقديمه ثلاث مرات برؤى مختلفة مع ثلاثة مخرجين.

إن خصوصية يحيى الفخرانى لا تكمن فى مهارته التمثيلية وحدها، بل فى اختياراته الواعية، وفى موقفه الأخلاقى من الفن، فهو ليس نجماً بالمعنى الاستهلاكى السائد، ولا يسعى إلى اللحظة العابرة أو «التريند» السريع، بل ينتمى إلى فئة نادرة من الفنانين الذين يؤمنون بأن القيمة تُراكم عبر الزمن، وأن الفن مسئولية ثقافية قبل أن يكون منتجاً جماهيرياً، لذلك، لا يدخل عملاً إلا وهو محمّل بسؤال، ولا يجسّد شخصية إلا إذا كانت قادرة على فتح أفق للتأمل والتفكير، وعلى الاشتباك مع الواقع الإنسانى فى تعقيده لا فى تبسيطه.

لقد تحوّل حضور الفخرانى، عبر الزمن، إلى ما يشبه «المقاومة الجمالية الهادئة» ضد التبسيط والسطحية، فهى مقاومة لا ترفع شعارات، ولا تدخل فى صراعات خطابية، بل تمارس فعلها عبر الإتقان، والصدق، والعمق.

لهذا، لا يمكن النظر إلى تجربة يحيى الفخرانى باعتبارها مجرد سلسلة من الأدوار الناجحة، بل بوصفها مشروعاً ثقافياً ممتداً، يقوم على التراكم البطىء للمعنى، وعلى الإيمان بأن الفن فعل بناء طويل الأمد، فكل دور عنده لا يُلغِى ما قبله، بل يعيد مساءلته ويضيف إليه طبقة جديدة من الفهم، وبذلك تتراكم القيمة لا عبر الصخب، بل عبر الاستمرارية الواعية والاختيارات الدقيقة.

وفى النهاية، يبقى يحيى الفخرانى نموذجاً نادراً للقوة الناعمة كما ينبغى أن تكون، قوة تُمارَس بالوعى لا بالضجيج، وبالعمق لا بالاستعراض، وبالزمن لا باللحظة العابرة، فهو ليس مجرد اسم لامع فى سجل الفن المصرى، بل قيمة ثقافية راسخة، تؤكد أن الفن حين يُمارَس بصدق، يصبح إحدى أنبل أدوات تشكيل الوجدان الجمعى، وأن التميّز الحقيقى لا يُصنع بالضوء العالى، بل بالاختيار، والمعرفة، والثبات على المعنى.

إن يحيى الفخرانى يمتلك خبرة ممتدة فى الدراما التليفزيونية والمسرحية، جعلته شاهداً وفاعلاً فى أهم التحولات التى مرّت بها الدراما المصرية، كما أن اختياراته الفنية عبر العقود اتسمت بالعمق والانحياز للجودة، ما يؤهله لقيادة مهرجان يُفترض أن يكون منصة لتكريس المعايير الفنية، ودعم التجارب الجادة، وفتح مساحات للنقاش حول مستقبل الدراما، فى ظل التحولات الرقمية وتغير ذائقة الجمهور، وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كون الفخرانى شخصية تحظى بإجماع نادر بين النقاد والجمهور وصنّاع الدراما، بما يمتلكه من مصداقية فنية وثقل رمزى، الأمر الذى يبعث برسالة واضحة مفادها أن المهرجان يسعى إلى استعادة دوره كمنبر للتقييم النقدى، لا مجرد احتفال شكلى، وكفضاء يكرّم القيمة الإبداعية لا النجومية السريعة، ولذا فإن تولى يحيى الفخرانى رئاسة مهرجان الدراما يُعد إضافة نوعية، وفرصة حقيقية لإعادة طرح أسئلة الجودة، والهوية، والمسئولية الثقافية للدراما العربية، فى زمن باتت فيه الحاجة ملحّة إلى رموز قادرة على الجمع بين الخبرة، والوعى، والاستقلالية الفنية.