محمود فوزى السيد يكتب: عمر خيرت.. الأذن ترى قبل العين أحياناً

كتب: محرر

محمود فوزى السيد يكتب: عمر خيرت.. الأذن ترى قبل العين أحياناً

محمود فوزى السيد يكتب: عمر خيرت.. الأذن ترى قبل العين أحياناً

المشهد فى صياغته بديع، يظهر خلاله جالساً أمام البيانو، محاطاً بعازفين مهرة يحبون ما يفعلون، وكأنه ملك متربع على عرشه وسط وزرائه ومخلصيه، جميعهم يعملون فقط لهدف واحد هو سعادة الجمهور، يطيرون فرحاً بنظرة عابرة على وجه مستمع، وقد ارتسمت على ملامحه علامات البهجة بما يسمع.. هو نموذج فريد فى الموسيقى العربية المعاصرة بما يقدم من حالة موسيقية ربما هى الأهم فى حياتنا الفنية منذ سنوات طويلة.. الملك المقصود على مسرحه هو الموسيقار عمر خيرت، صاحب الاسم الأكبر فى عالم التأليف الموسيقى فى مصر والعالم العربى، والذى يُعد متفرّداً ليس فقط بما يُحقق من انتشار جماهيرى ضخم بحفلاته أو موسيقى أعماله التصويرية، وإنما لأنه صاحب أسلوب موسيقى واضح يمكن التعرّف عليه بسهولة بمجرد سماعه، وهو أمر ليس بالهين فى عالم التأليف الموسيقى.

يقولون إن «الأذن ترى قبل العين أحياناً»، وهى مقولة تتجسّد ملامحها بسهولة فى موسيقى عمر خيرت، فمجرد الاستماع إليه عازفاً على البيانو وسط أعضاء فرقته المتميزين، يسافر المستمع فى رحلة بحث خيالية عن شخوص وأحداث لتكوين صورة يكمل بها المقطوعة الموسيقية التى يستمع إليها، وهذا أمر نابع من أن مؤلفات عمر خيرت تُعد بناءً موسيقياً متكاملاً لا مكان فيها لـ«نوتة» عشوائية أو آلة تعزف خارج السياق، فهو الأكاديمى الواعى للبناء الموسيقى وأشكاله، والفنان صاحب التجربة الإنسانية القادر على تطويع الآلات الموسيقية لخدمة المشاعر التى يسعى لإيصالها لأذن وقلوب مستمعيه.. وهو ما خلق منه حالة فنية استثنائية كان لها فى قلوب الجمهور بصمة تعبر عن الموسيقى الراقية.

أما أسلوبه الموسيقى فهو يُعد صاحب مدرسة موسيقية متفرّدة تمزج ما بين الروح والمقامات الشرقية مع البناء الغربى للمقطوعة الموسيقية، فهو بحكم دراسته فى «كونسرفتوار» على دراية تامة بالمقامات الشرقية والسلالم الموسيقية الشرقية، لكنه فى الوقت ذاته قادر على تطويع تلك المقامات داخل قوالب «هارمونية» وتوزيعات غربية مستوحاة من الموسيقى الكلاسيكية، وهو أمر ليس بالسهولة التى يتخيلها البعض، فرغم شرقية الألحان الشديدة فى مؤلفاته، إلا أنه يغلّفها فى إطار «أوركسترالى» عالمى ليصبغها بصبغة غربية، وهو أمر نابع عن دراية ووعى شديد وعميق لكل أشكال الموسيقى، وهو السبب المباشر فى جعل مؤلفاته تحظى بكل هذا الحب والاهتمام والفهم أيضاً محلياً وعالمياً.

فهو «موسيقياً» ينتمى إلى مدرسة البساطة الموسيقية، حيث يضع لحناً مريحاً لأذن المستمع وسهل الحفظ فى الوقت ذاته، لكنه يقدّمه له مغلفاً بهارمونى أوركسترالى غربى النزعة، وهذه القدرة الخاصة فى الجمع ما بين السهولة والعمق الموسيقى هى سر تميّز الموسيقار الكبير وسر بقاء أعماله فى ذاكرة الجمهور طوال الوقت.

كما أن وعيه الشديد بأهمية الموسيقى التصويرية وتأثيرها المباشر على أحداث العمل الدرامى وعدم التعامل معها على أنها مجرد عامل مساعد للصورة، جاء هو الآخر سبباً مباشراً فى تأثيره الشديد على الجمهور، فهو يتعامل مع الموسيقى التصويرية على أنها خط درامى مستقل لا يقل أهمية عن الصورة فى المشهد، بل فى بعض الأحيان ربما كانت للموسيقى أهمية أكبر فى توصيل رسالة المشهد، لذلك وبنظرة سريعة على مؤلفاته فى الموسيقى التصويرية تجدها تشبه السرد الدرامى للأحداث لكن بدون حوار، حيث تلعب الآلات التى يستخدمها فى المقطوعة دور الأبطال فى الحوار، وهو ما يُفسّر ارتباط الجمهور بموسيقاه خارج سياق الأعمال الدرامية التى قدّمت خلالها.

وتتميز أعمال الموسيقار عمر خيرت بما يُعرف بـ«الدلالة اللحنية»، وهو الارتباط اللاشعورى بموسيقى معينة تجاه عمل درامى معين، وللتبسيط هناك الكثير من الأمثلة لتوضيح الفكرة، منها أنه فى حالة وجود المشاهد، بعيداً عن شاشة التليفزيون وبمجرد سماعه مقطوعة موسيقية معينة يعرف على الفور أن ما يُعرض على الشاشة هو مثلاً مسلسل «ضمير أبلة حكمت»، أو فيلم «ليلة القبض على فاطمة»، أو غيرهما الكثير من أعمال الموسيقار الكبير، هذا رغم أنه استمع فقط إلى موسيقى العمل، وتلك أيضاً من السمات المهمة فى موسيقى عمر خيرت، وهى حالة الارتباط الذهنى التى خلقها بين موسيقاه وبين أذن المستمع.

وهو ما انعكس بعد ذلك على فكرة حفلاته الموسيقية التى دائماً ما تكون «كامل العدد»، ويتسابق الجمهور من كل فئات المجتمع والأعمار إلى الفوز بتذكرة لحضور حفل عمر خيرت أياً كان مكان إقامته، سواء داخل مصر أو خارجها، مما يُمثل مشهداً موسيقياً نادر الحدوث، فهو الموسيقار العربى الوحيد القادر على إقامة حفل أسبوعى فى مصر وخارجها بحضور جماهيرى كامل، وهو ما يعكس حالة الثقة الشديدة من الجمهور فى تجربته الموسيقية الفريدة، واعتبار الموسيقار الكبير صاحب مدرسة خاصة جداً اعتمد فى بنائها على احترام المتلقى وبذل المجهود لصناعة أسلوب موسيقى متفرّد وتقديم أعمال موسيقية تخلد فى كتاب تاريخ الفن المصرى والعربى، فموسيقى عمر خيرت لا تحتاج إلى شرح أو تحليل، تحتاج فقط إلى الإنصات والاستمتاع.