أم كلثوم تخلد شعراءها
اختلف الرأي بشأن يوم ميلاد سيدة الغناء العربي أم كلثوم، لكن هذا الخلاف لا يغير من شيء، فكوكب الشرق وجدت وعاشت في وجدان الشعب العربي ووحدته على طريقتها، وجذبته لأن يسهر معها الخميس الأول من كل شهر ليستمع في الراديو للشعر واللحن والغناء الراقي الذي لم يتكرر. مئات الكتب وآلاف المقالات وعشرات البرامج الإذاعية والتليفزيونية عن «الست» ولا يزال الناس يريدون المزيد عن قصة خالدة، تمثلت في كفاحها وإصرارها على الصعود والنجاح ومسيرة طويلة تجاوزت خلالها عقبات وعقبات وفي النهاية كانت على القمة وحافظت عليها، ومازال العرب يحفظون أغنياتها ومازالت إذاعاتهم تبث ما قدمته من طرب أمتع كل أذن عربية.
لم تكن أم كلثوم مطربة وحسب، كانت قوة فنية قادرة على نقل القصيدة من الورق إلى الخلود. كثير من الشعراء يدينون لها بأن أسماءهم صعدت من خلال صوتها إلى السماء، وأن قصائدهم لم تعد حبرا محبوسا في دواوين، بل حياة تعاش في كل مرة تغنى. غنت أم كلثوم لأمير الشعراء أحمد شوقي بك، غنت لحافظ إبراهيم شاعر النيل، للدكتور إبراهيم ناجي، للأمير عبدالله الفيصل، غنت لأحمد شفيق كامل، لحسين السيد، لعبدالوهاب محمد، للهادي آدم الشاعر السوداني وعشرات غيرهم.
كل شاعر منهم كان محظوظا بغناء أم كلثوم قصيدته، ففي كل الأحوال ارتفعت شعبية القصيدة في البورصة الشعبية أضعافا مضاعفة بعد غناء أم كلثوم، ولنضرب مثلا بقصيدة الأطلال للطبيب الشاعر إبراهيم ناجي؛ ترك ناجي أربعة دواوين شعرية، ولم يكن يتخيل وهو يكتب قصيدته الأطلال أن يسمعها يوما بصوت أم كلثوم، فقد توفي عام 1953، قبل أن ترى القصيدة طريقها إلى اللحن والغناء، كانت الأطلال في أصلها قصيدة طويلة، شديدة الذاتية، كتبها ناجي في لحظة انكسار عاطفي عميق، فجاءت مشبعة بالحزن والحنين والندم. بلغ عدد أبيات القصيدة 134 بيتا وكان يصعب غناءها أو تلحينها، لكن بعد سنوات بعد رحيله، رغبت الست في غناء الأطلال، فحدثت قصة رائعة من روائع الست وصديقها المقرب الشاعر أحمد رامي. طلبت أم كلثوم من رامي، أن يتصرف بطريقته كشاعر وأن يستخرج من القصيدة الجميلة الطويلة ما يصلح للغناء. لم يكن رامي مجرد ناقل للنص، بل أعاد خلقه من جديد. كان رامي صديقا لناجي وأراد أن يقدم له جميلا وأن يتشارك الثلاثة في أغنية وإن كان اسم رامي لن يذكر. دمج رامي أبيات من قصيدتي «الأطلال» و«الوداع» لناجي وحذف أبياتا ورتب أبياتا أخرى وانتهى بالقصيدة إلى الصورة التي غنتها أم كلثوم.
كان مطلع القصيدة «يا فؤادي رحم الله الهوى .. كان صرحا من خيال فهوى»، لكن أم كلثوم رفضت أن يكون مطلع الأغنية عن الموت، فقام رامي بتعديلها لتصبح «يا فؤادي لا تسل أين الهوى .. كان صرحا من خيال فهوى». طلبت أم كلثوم من الملحن الكبير رياض السنباطي تلحين الأطلال، وفي نفس الوقت كان الرئيس جمال عبدالناصر طلب من أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب التعاون في عمل فني كبير، فجاءت أغنية أنت عمري لتسبق الأطلال ونجحت نجاحا كبيرا، فأصاب القلق رياض السنباطي خشية أن تتراجع أم كلثوم عن غناء الأطلال، لكنها وفي نشوة النجاح الكبير لأغنية أنت عمري أكدت على السنباطي أنها ستغني الأطلال. من قلقه كان السنباطي وقت الحفل يجلس في الكواليس منتظرا نتيجة لحنه وغناء الست. ونجحت الأطلال نجاحا منقطع النظير، لدرجة أن تصنيفها الأولى في أغاني أم كلثوم.
كانت أكف الجمهور تلتهب عندما يعلو صوت أم كلثوم «هل رأى الحب سكارى مثلنا .. كم بنينا من خيال حولنا». وكانت آهات الإعجاب والمتعة تدوي في قاعة الحفل عندما كانت تصرخ «أعطني حريتي أطلق يديا»، لم تعد القصيدة ملكا لإبراهيم ناجي وحده، أصبحت نشيدا للحب المكسور في الوجدان العربي كله، هكذا أعادت أم كلثوم إحياء شاعر غاب جسدا، وبقى صوته نابضا من خلال صوتها.
لم يقتصر دور أم كلثوم على الشعراء المصريين. غنت قصيدة «أغدا ألقاك» للشاعر السوداني الهادي آدم، ففتحت له بوابة المجد العربي الواسع. كان شاعرا رقيق الإحساس، معروفا في محيطه، لكن أم كلثوم جعلت اسمه يتردد في كل بيت عربي. «أغدا ألقاك يا خوف فؤادي من غد .. يا لشوقي واحتراقي في انتظار الموعد». بهذا الصوت، لم تعد القصيدة مجرد شوقٍ شخصي، بل تحولت إلى حالة إنسانية عامة. ارتفع اسم الهادي آدم كما يرتفع الصاروخ، لا بقوة الضجيج، بل بقوة الصدق، حين حملته أم كلثوم على جناحي صوتها إلى السماء.
من راديو سيارتي استمعت واستمتعت إلى برنامج عن أم كلثوم قدمته المذيعة القديرة رشا سمير، كان أداؤها وصوتها جديرين بحلقة أم كلثوم، فجاءت الحلقة في مستوى راقي بمعلومات غزيرة وإحساس مرهف .
كانت أم كلثوم صاروخا فضائيا للطرب، لكنها لم تكن صاروخا عابرا. كانت كوكب الشرق ثابتة المدار، لا تسقط ولا تخفت. بصوتها، تحول الشعر إلى ذاكرة جماعية، وتحول الشعراء إلى رموز خالدة. لم تكن تختار القصيدة فحسب، بل كانت تختار القدر الذي سيصيب صاحبها.
نحن لا نحتفل بمطربة، بل نحتفل بعصر كامل من الإبداع ، كلمة ولحنا وطربا، بامرأة أدركت أن الفن مسؤولية، وأن صوتها جسر بين الشاعر والخلود . حلقت بفنها في السموات وعبرت الحدود ووحدت ما بين الخليج والمحيط.