«المتحدة» تعيد ترسيم حدود الإبداع
حسناً ما اختتمت به الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية عام 2025، بقرارها «الثمين» بحجب التغطية عما يُسمى بـ«مشاهير التواصل الاجتماعى وتيك توك».
هذا القرار ليس مجرد إجراءٍ تقنى أو إدارى، لكنه بيان ثقافى وجودى، كمحاولة لاستعادة الذائقة من براثن الاستهلاك العابر، للصور والفيديوهات الفارغة من أى مضمون، سوى البلاهة والسطحية المفرطة.
القرار خرج فى توقيته المناسب تماماً، حيث يحتاج المجتمع إلى وقفة تأمل، وإلى مراجعة نقدية للبوصلة التى نُحدّد بها قيمنا الثقافية والفنية.
لقد حولت المنصات الرقمية الفضاء العام إلى ساحة مفتوحة اختلط فيها الحابل بالنابل، وتساوى داخلها الجوهرى بالعرضى، والعميق بالسطحى، وتحولت الشهرة، التى كانت تُكتسب على طريق الفن الطويل أو الفكر المجهد، إلى ومضة عابرة مصنوعة من رقصة مبتذلة، أو إيماءة بذيئة.
هذا التحول لم يسرق من الفن رونقه فحسب، بل سرق من الجمهور أيضاً حقه فى التذوق الجمالى الحقيقى، وحاصره فى حلقة مفرغة من المحتوى السريع الذى لا يغذّى الروح ولا يبنى الوعى.
قرار الشركة المتحدة -فى جوهره- دفاع عن «قيمة الإبداع» نفسها، التى تتجاوز حدود التسلية الوقتية، ولا تبحث عن «اللايكات» العابرة.
الإبداع رحلة مضنية شاقة نحو التجلى، تحتاج إلى صبر الحرفى، وعمق المفكر، وصدق الفنان، إنه الحرف الذى يخرج بأسمى المعانى من رحم التجربة الإنسانية، واللحن الذى يصعد من أعماق المعاناة والفرح.
الأمر ليس رفضاً للتطور التكنولوجى، أو للأجيال الجديدة، لكنه رفض لانحدار المعايير، فالثقافة ليست منتجاً استهلاكياً خالصاً، تحكمه معدلات المشاهدة فقط، بل هى الوعاء الذى يحمل هوية الأمة، ويحفظ وروحها، ويصون قيمها الأصيلة.
الثقافة الجادة لا تعنى الجمود، بل تعنى الاحترام، احترام عقل المتلقى، ووقته، ومشاعره، إنها التقدير للجهد الإنسانى الخلاق، الذى يبنى ولا يهدم، يرتفع بالذوق الإنسانى، ولا يستدرجه إلى الحضيض.
قرار الشركة المتحدة يحمل رسالة أمل بأن هناك ما يستحق الصبر والانتظار، فالمحتوى الراقى الناتج عن مشوار طويل من العمل، يختلف جوهرياً عن فيديو مرتجل تم تصويره فى دقائق، والكتاب الذى يحتوى على فكرة تقلب
العالم رأساً على عقب، يختلف عن الـ«بوست»، الذى يتوه فى عالم النسيان بعد ساعات.
الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية بقرارها «المعتبر» تُذكرنا بأن للجمال وللفن وللثقافة ثقلاً هو ما يمنحها قيمتها الخالدة.
هذا الموقف يبدو وكأنه إعادة ترسيم لحدود الإبداع، ودعوة إلى مراجعة مطلوبة منا جميعاً، ما الذى نريد أن نخلده لذواتنا ولأجيالنا القادمة؟، أهو ركام من الفيديوهات الطائشة، أم إرث ثقافى يحمل بصمتنا الحضارية المميزة؟
اختارت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية أن تقف فى الجانب الذى يرى الثقافة معبداً، والفنان كاهناً يحمل رسالة الجمال والحقيقة، وليس مُهرجاً يستجدى التصفيق.
القرار فى تقديرى خطوة ضرورية لاستعادة الهيبة المفقودة للفن الرصين، وللكلمة التى تحمل وزنها من فكر عميق وروح وأصالة، وهو فى نهاية المطاف يضع الثقة فى الجمهور القادر على التمييز، وفى المتلقى الذى يستحق الأفضل بما يليق بإنسانيته.