د. أحمد السعيد: نعيش أزمة ترجمة لأنها تحولت من المعرفة إلى الاستهلاك
د. أحمد السعيد: نعيش أزمة ترجمة لأنها تحولت من المعرفة إلى الاستهلاك
حوار سيد العديسى
مسافة طويلة تلك التى قطعها د. أحمد السعيد فى الترجمة، لا سيما ما يتعلق باللغة الصينية، فمنذ أمد بعيد أدرك أن اتجاهنا للغرب حرمنا كثيراً من معرفة هذه الكتلة الغنية، خاصة فى ظل نموها كقوة كبيرة أجبرت العالم على الإنصات لها، وتفسير ظواهرها.
استعادة عافية الشخصية المصرية لن تكون عبر الخطاب الوعظى.. بل بالثقة بين الفرد والمجتمع
فى هذا الحوار تحدث معنا «السعيد» عن رؤيته للواقع، ولما يجب أن تكون عليه مصر المستقبل، وماذا ينقصنا لمعرفة الآخر. موضحاً أن الثقافة والتعليم والإعلام والصورة الذهنية أصبحت جزءاً من الحسابات العملية للسياسة الخارجية الحديثة لأى دولة، وأن مصر تمتلك رصيداً وافراً من القوى الناعمة التى يتوجب استغلالها وتوظيفها بشكل عصرى. وإلى نص الحوار:
■ كيف ترى تأثير القوى الناعمة فى المجتمع؟
- القوة الناعمة أحد أشكال النفوذ الواقعى التى تعمل بها الدول حين تريد أن تؤثر دون صدام مباشر. وأى نفوذ ثقافى حقيقى يبدأ من الداخل. ومصر ليست دولة تبحث عن اختراع قوة ناعمة جديدة، فهى تمتلك رصيداً تاريخياً كبيراً من النفوذ الثقافى، تشكل عبر قرون من التراكم الحضارى، والموقع الجغرافى، والدور الثقافى والدينى.
وخلال العقود الأخيرة لم تفقد مصر عناصر قوتها الناعمة، لكنها واجهت تحولات داخلية وخارجية أثرت فى قدرتها على توظيف هذا الرصيد بالكفاءة نفسها. تراجعت الثقافة فى بعض المراحل بوصفها أولوية استراتيجية، وظهرت قوى إقليمية جديدة استثمرت بكثافة فى الإعلام والصورة والمنتج الثقافى، كما غيّرت التحولات الرقمية قواعد التأثير التقليدية، وجعلت النفوذ أكثر سيولة وأقل ارتباطاً بمركز واحد.
هناك إقبال عالمى على الرواية لكنها ليست الوسيط الوحيد القادر على نقل التجربة الإنسانية
مصر ما زالت تمتلك عناصر جذب حقيقية: تاريخاً فريداً، لغة حيّة، مخزوناً ثقافياً واسعاً، وحضوراً رمزياً راسخاً فى الوعى العربى. التحدى الحقيقى لا يكمن فى استعادة الماضى، بل فى إعادة تعريف هذا الرصيد بلغة العصر، وتحويله من ذاكرة إلى مشروع، ومن رمزية إلى استراتيجية قابلة للإدارة.
■ ما الذى يتوجب فعله كى نحافظ على المجتمع من التطرف ونحميه من الأفكار الهدامة؟
- التشدد، فى تقديرى، لا يمكن فهمه بوصفه ظاهرة دينية خالصة، ولا يمكن اختزاله فى سياق سياسى بعينه. هو فى الأساس حالة ذهنية ونفسية قبل أن يكون موقفاً عقائدياً، ونمط تفكير قبل أن يكون التزاماً بنص أو أيديولوجيا. التشدد يتغذى أيضاً على الفراغ. فراغ المعنى، وفراغ العدالة، وفراغ الأمل.
فى الحالة المصرية، يظل المجتمع بطبيعته أقل ميلاً للتشدد مقارنة بغيره، بسبب تركيبته التاريخية والثقافية. التدين الشعبى فى مصر كان، فى جوهره، أقرب إلى التوازن والاعتدال، يجمع بين الإيمان والحياة اليومية دون صدام.
مواجهة التشدد لا يمكن أن تكون أمنية فقط، ولا خطابية فقط. المواجهة الحقيقية تبدأ من بناء الإنسان: تعليم يعلّم التفكير لا الحفظ، وثقافة تفتح الأفق بدل أن تغلقه، وإعلام يشرح ولا يحرض، ويعيد الاعتبار للتعقيد بدل تبسيطه بشكل مخل.
■ حدثنا عن الشخصية المصرية من خلال رؤيتك.
- المصرى تعلم عبر قرون طويلة كيف يعيش داخل ظروف غير مثالية دون أن يفقد إحساسه بالحياة أو قدرته على الفهم. لذلك كانت السخرية، مثلاً، أداة دفاع نفسى بقدر ما كانت تعبيراً ثقافياً، وليست علامة على اللامبالاة كما يُساء فهمها أحياناً.
اليوم، ما نراه ليس فقداناً لهذه السمات، بل اختبار قاسٍ لها. الضغوط الاقتصادية المستمرة، وتراجع الطبقة الوسطى، وتغيّر أنماط العمل، وانتقال جزء كبير من الحياة إلى الفضاء الرقمى، كلها عوامل أثرت فى الإحساس العام بالاستقرار والمعنى. حين يشعر الإنسان أن جهده لا يقوده بالضرورة إلى أفق واضح يتراجع الإحساس بالسيطرة، ويزداد القلق، حتى لو ظل الإطار العام متماسكاً.
■ لك مشوار طويل فى الترجمة، فهل فعلاً نحن فى عصر الرواية؟
- القول إننا نعيش «عصر الرواية» يحمل قدراً من الحقيقة، الإقبال العالمى على الرواية مفهوم، لأن القارئ الأجنبى غالباً ما يبحث عن نص يمنحه نافذة واسعة على المجتمع والثقافة، والرواية تؤدى هذا الدور بفاعلية.
نعيش مرحلة ازدهار للرواية، لا عصراً يلغى غيره. الرواية اليوم فى الصدارة، لكن صحة المشهد الثقافى الحقيقى تقاس بقدرته على احتضان التنوع، لا بتكريس شكل واحد بوصفه الطريق الوحيد للإبداع.
■ جنوح دور النشر والقراء إلى الرواية هل أضر بالقصة القصيرة والشعر؟
- يمكن القول إن هذا الجنوح إلى الرواية أثر بالفعل على القصة القصيرة والشعر، لكن التأثير لم يكن تدميرياً بقدر ما كان تهميشاً، الرواية أصبحت، فى نظر كثير من دور النشر، الخيار الأكثر أماناً تجارياً، والأكثر قابلية للتسويق والجوائز والترجمة، وهو ما دفعها إلى احتلال المساحة الأكبر فى خطط النشر.
■ هل نعيش فعلاً أزمة فى الترجمة؟ ولماذا؟
- نعم، فى تقديرى نحن نعيش أزمة حقيقية فى الترجمة، لكن المشكلة ليست فى قلة الكتب المترجمة، ولا فى عدد المترجمين، بل فى طبيعة ما نترجمه، وكيف نترجمه، ولماذا نترجمه. الأزمة أعمق من كونها رقمية، هى أزمة رؤية قبل أن تكون أزمة إنتاج.
لو نظرنا إلى المشهد من الخارج، سنجد أن الترجمة العربية نشطة ظاهرياً: عناوين كثيرة، لغات متعددة، مشاريع مدعومة، ومعارض كتب مزدحمة. لكن حين نقترب قليلاً، نكتشف أن جزءاً كبيراً من هذا الجهد يدور فى دائرة ضيقة: أسماء مكرّسة، كتب سبق أن حققت نجاحاً عالمياً، أو نصوص اختارتها المؤسسات لأنها «آمنة» ثقافياً أو سياسياً. الترجمة هنا تتحول من فعل معرفة إلى فعل استهلاك.
ومن واقع تجربتى، أرى أن الأزمة تتفاقم حين تغيب فكرة المترجم الكشاف. الترجمة الحيّة تحتاج إلى من يقرأ بلغته الثانية بفضول، لا بتكليف. من يبحث عن الأصوات الجديدة، عن التيارات الصاعدة، عن الأدب الذى لم يصل بعد إلى دوائر الجوائز والدعاية. هذا ما نراه بوضوح فى الصين مثلاً: هناك فجوة ضخمة بين الأدب الصينى الحى، خصوصاً أدب الإنترنت وكتابات الأجيال الجديدة، وبين ما يُترجم إلى العربية. نحن نعرف الصين من خلال عدد محدود من الأسماء، بينما الواقع أوسع بكثير.
والحل يبدأ بإعادة تعريف الترجمة: أن نراها فعل اختيار لا تكديس، فعل معرفة لا مجاملة. نحتاج إلى مترجمين لديهم شجاعة الاكتشاف، وإلى مؤسسات تؤمن بأن الترجمة استثمار طويل الأمد، لا مشروعاً موسمياً. نحتاج إلى النزول إلى مساحات جديدة: أدب الإنترنت، كتاب الأقاليم، الأصوات غير الممثَّلة، سواء فى الصين أو فى العالم العربى أو خارجه.
الجديد حاليا
الجديد بالنسبة لى ليس مشروعاً واحداً، بل اتجاه كامل أحاول أن أمشى فيه بهدوء. يمكن تلخيصه فى سؤال بسيط: كيف تتحول الثقافة المصرية من ردّ فعل إلى فعل، ومن حضور رمزى إلى صناعة حقيقية؟
أكبر طموحى اليوم هو العمل على الصناعات الثقافية المصرية، لا بالمعنى التجارى الضيق، بل بالمعنى الحضارى.
الثقافة عندنا ثرية، لكننا لم نحسن بعد إدارتها كمنظومة: إنتاج، توزيع، تأثير، واستمرارية، ما أطمح إليه هو نقل الثقافة من حالة «الجهد الفردى» إلى حالة المشروع المنظّم، من دون أن نفقد روحها أو استقلالها.