وليد خيري يكتب: "الأرتيست".. أهل الفن صحيح مساكين
وليد خيري يكتب: "الأرتيست".. أهل الفن صحيح مساكين
في ظاهرة مسرحية لافتة، لا يكاد يسدل الستار على عرض "الأرتيست" حتى يعود ليرفع مجددًا أمام لافتات كامل العدد. هذه الاستمرارية وتعدد ليالي العرض لم تأت من فراغ، بل هي شهادة حية على تعطش الجمهور لنوعية من المسرح تمزج بين "نوستالجيا" فن الزمن الجميل وبين الاشتباك الحقيقي مع المأساة الإنسانية. ورغم تعدد التجارب التي تناولت سير الفنانين، فإن هذا العرض الذي صاغه وأخرجه محمد زكي (بمشاركة في الكتابة لأسماء السيد) يقف في منطقة متفردة، خاصة مع الرهان الصعب والرابح على الموهبة المتفجرة للفنانة هايدي عبد الخالق، التي لم تلعب دور زينات صدقي فحسب، بل حلت فيها، مانحة إيانا تذكرة سفر مجانية إلى أعماق ووجدان واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للبهجة والحزن في آن.
من أين تبدأ الممثلة حينما يطلب منها تجسيد أيقونة؟ هل تبدأ من الصوت المميز؟ أم من اللزمة الحركية؟ أم من الشكل الخارجي؟
الإجابة التي قدمتها هايدي عبد الخالق على خشبة المسرح كانت مغايرة تمامًا. لقد بدأت من الروح. كان التحدي أمام هايدي مزدوجًا؛ فالجمهور يحفظ زينات صدقي عن ظهر قلب، وأي محاولة للمحاكاة السطحية كانت ستتحول فورًا إلى "اسكتش" هزلي باهت. لكن هايدي استطاعت ببراعة تحسد عليها أن تمسك بالخيط الرفيع الفاصل بين "الشخصية" و"الكاريكاتير". رأينا على المسرح زينات الإنسانة التي تتنفس وتتألم، وليس فقط زينات "الكوميديانة". تنقلت هايدي بسلاسة بين مراحل عمرية مختلفة، وبين حالات نفسية متناقضة، من انكسار الفتاة التي حاربت أهلها، إلى شموخ النجمة، وصولًا إلى عزلة الشيخوخة. لقد كان أداؤها هو العمود الفقري الذي ارتكز عليه العرض، لنرى الإنسان خلف التمثال.
إن أخطر فخ يواجه أي مؤلف مسرحي عند التصدي لحياة المشاهير هو فخ السرد التوثيقي، حيث يتحول العرض إلى حصة تاريخ مملة: (ولدت، ثم عملت، ثم نجحت، ثم ماتت).
يعلمنا "روبرت ماكي" في كتابه المرجعي "القصة" درسًا قاسيًا لكل كاتب سيرة، حين يؤكد أن كتابة السيرة الذاتية لا يجب أبدًا أن تكون مدرسية أو تتبع منهج "من المهد إلى اللحد". هذا النمط الموسوعي قد يصلح لكتب التاريخ، لكنه يقتل الدراما في مهدها. الدراما لا تبحث عن ماذا حدث، بل تبحث عن كيف شعر، وعن الصراع الخفي الذي لا ترصده الكاميرات.
هنا يكمن ذكاء المخرج والمؤلف محمد زكي، وشريكته في الكتابة أسماء السيد. لقد أدركوا أن المسرح ليس مكانًا لسرد المعلومات، بل هو مكان للصراع. لذا، لم يقدموا لنا "ويكيبيديا" ناطقة عن زينات صدقي، بل اختاروا زاوية نظر محددة، وعدسة مكبرة سُلطت على المناطق المعتمة في حياتها.
انطلق النص من حدث مفجر ذكي ومكثف، وهو لحظة التكريم المتأخرة أو لحظة المكاشفة مع الذات في خريف العمر. هذه اللحظة كانت بمثابة الزناد الذي أطلق رصاصات الذاكرة في كل اتجاه. اعتمد البناء الدرامي على تقنية "الفلاش باك" النفسي وليس الزمني فقط. نحن لا نرى الأحداث بالترتيب، بل نراها كما تتذكرها زينات في عزلتها: مشوشة، مؤلمة، ومتداخلة.
ركز النص على المأساة الكبرى: التناقض الصارخ بين صانعة البهجة وبين المرأة الوحيدة. كيف عاشت هذه السيدة وحيدة وحزينة؟ وكيف أضحكت الملايين وهي تبكي في غرفتها؟ هذا التناول الدرامي حول العرض من قصة فنانة إلى قصة إنسان يواجه قسوة الحياة بالفن، وقسوة البشر بالضحك.
لم يكن النجاح حليفًا للنص والتمثيل فقط، بل تضافرت كل عناصر السينوغرافيا لتشكيل لوحة متكاملة، حيث تحول المسرح إلى فضاء نفسي يعكس دواخل البطلة.
لم يكتفِ مهندس الديكور فادي فوكيه بنقلنا إلى زمن زينات صدقي، بل نقلنا إلى مكانها النفسي. تميز الديكور بالقدرة على التحول والمرونة، ليعبر عن الانتقال السريع بين الأزمنة والأماكن (المسرح، البيت، الكواليس). استخدم فوكيه قطع الديكور لا لتملأ الفراغ، بل لتحاصره. كان الفراغ المسرحي أحيانًا موحشًا ليعكس وحدة زينات، وأحيانًا ممتلئًا بصخب الذكريات. تصميم المكان كان يخدم فكرة السجن الذي عاشت فيه الفنانة؛ سجن الشهرة، وسجن الوحدة، وسجن الماضي.
لعبت إضاءة أبو بكر الشريف دور الراوي البصري للعرض. لم تكن الإضاءة مجرد وسيلة للرؤية، بل كانت لغة درامية قائمة بذاتها. استخدم الشريف التباين الحاد ليعكس الصراع الداخلي. رأينا كيف كانت البقع الضوئية تحاصر هايدي عبد الخالق لتعزلها عن العالم، وكيف كانت الألوان الدافئة تستحضر حنين الماضي، بينما طغت الألوان الباردة والقاتمة على لحظات الانكسار والوحدة. الإضاءة هنا كانت تجسد بريق الفن الذي يخفت تدريجيًا ليترك الفنان في العتمة.
نجح مصمما الأزياء محمد ريان وأميرة صابر في تقديم وثيقة تاريخية ونفسية عبر الملابس. لم تكن الأزياء مجرد محاكاة لملابس الخمسينيات والستينيات، بل كانت تعبيرًا عن الحالة الشعورية. رأينا فساتين "الأرتيست" اللامعة التي تخفي وراءها جسدًا منهكًا. التدرج في اختيار الخامات والألوان كان يواكب الرحلة من الصعود إلى الهبوط، ومن الأضواء إلى الظلال. الملابس هنا كانت بمثابة الجلد الثاني للشخصية، تحمل بصمات الزمن ورائحة الذكريات.
كان للمسات المكياج دور جوهري في إقناعنا بمصداقية الشخصية عبر مراحلها العمرية المختلفة. التحدي لم يكن في وضع مساحيق تجميل، بل في رسم تضاريس الزمن على وجه الممثلة الشابة. نجح المكياج في تحويل ملامح هايدي لتطابق ملامح زينات، ليس فقط في الشكل، بل في الإيحاء بالوهن أو النضارة حسب المقتضى الدرامي، مما ساعد الممثلة على الاندماج الكامل.
لا يمكن إغفال دور أحمد الجوهري في تصميم أفيشات وبوسترات العرض، التي كانت العتبة البصرية الأولى التي هيأت الجمهور للدخول في أجواء العمل. جاءت التصميمات لتعكس روح العرض: مزيج من الكلاسيكية والحداثة، مع التركيز على النظرة الإنسانية في عيون البطلة.
قد يتبادر إلى ذهن المشاهد سؤال ملح: هل التزم العرض بسيرة الفنانة زينات صدقي الحقيقية بحذافيرها؟
والإجابة هنا تتطلب تفريقًا دقيقًا بين التاريخ والدراما.
مسرحية الأرتيست ليست فيلمًا تسجيليًا، وبالتالي فهي غير ملزمة بتقديم سرد تاريخي جاف. نعم، استند العرض إلى الهيكل العظمي لحياة زينات صدقي (نشأتها، هروبها للفن، نجاحها، علاقتها بالوسط الفني، نهايتها المأساوية)، ولكنه "التزم بروح الحقيقة أكثر من التزامه بحرفية الواقع".
لقد استخدم المؤلف والمخرج الخيال الفني لملء الفراغات التي لم يذكرها التاريخ. كيف كانت تشعر وهي وحيدة في غرفتها؟ ماذا كانت تقول لنفسها أمام المرآة؟ هذه حوارات لم يسجلها مؤرخ، لكن سجلها الفن.
لذا، يمكن القول إن العرض كان أمينًا جدًا على المعاناة الإنسانية لزينات صدقي، وأمينًا على تاريخ مشاعرها، حتى لو تصرف دراميًا في ترتيب بعض الأحداث أو تكثيف شخصيات معينة لخدمة البناء الدرامي. إنه عرض يقدم الحقيقة الشعورية التي هي أبقى وأهم من الحقيقة التوثيقية.
استطاع المخرج محمد زكي أن يضفر كل هذه الخيوط (نص، تمثيل، ديكور، إضاءة) في جديلة واحدة متماسكة. يحسب له إيقاع العرض المنضبط الذي لم يسقط في فخ الملل رغم شحنة الشجن العالية. كما يحسب له إدارة الممثلين، وتوجيههم نحو الأداء الداخلي بعيدًا عن المبالغات المسرحية المعتادة. لقد قدم لنا عرضًا يحترم عقلية المتفرج المعاصر، ويقدم له وجبة فنية دسمة بصريًا وفكريًا.
"الأرتيست".. عرض يستحق المشاهدة، لأننا جميعًا نحتاج أن نعرف الثمن الذي يدفعه الفنان ليشتري لنا الضحكة.