د. محمد مغربي يكتب: معركة العقول تحسم النصر EUV أخطر سلاح في العالم لا يطلق رصاصة واحدة
د. محمد مغربي يكتب: معركة العقول تحسم النصر EUV أخطر سلاح في العالم لا يطلق رصاصة واحدة
يقول ونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا الراحل وأحد أبطالها، فى مذكراته عن الحرب العالمية الثانية، إن الخطر الحقيقى بدأ حين بلغت قوة سلاح الجو الألمانى أكثر من 4 آلاف طائرة، فى وقت كان هذا العدد أكبر من القوة الجوية المجتمعة لأوروبا كلها، هكذا كانت تقاس موازين القوى، التفوق الجوى وعدد الجنود وكفاءتهم وما يملكون من مخزون استراتيجى يُحسب من خلاله قدرتهم على الصمود.
لو عاش «تشرشل» حتى الآن لأصيب بصدمة عقلية، إذ بات غير مضطر لكل تلك الإحصاءات التى باتت لا تحتل الأهمية القصوى، بل إن «تشرشل» كان سيجد نفسه يبحث عن من هى الدولة التى تستطيع صناعة أصغر شريحة سيليكون فى العالم، شريحة أصغر من ظفر الإصبع لكنها العقل المدبر للهواتف المحمولة وأجهزة الذكاء الاصطناعى والأقمار الصناعية ومقاتلات الجيل الخامس والسادس وغير ذلك، وبالتالى فإن إجابة سؤال من سينتصر؟ ستكون واضحة وبسيطة، من يملك تلك الشريحة.
وقبل معرفة من استطاع فعل ذلك الآن، نشرح أولاً معنى شريحة «Chip»، والتى تعنى ببساطة قطعة من السيليكون منقوش عليها مليارات الترانزستورات، وكل ترانزستور يعد مفتاحاً كهربائياً صغيراً جداً، وكلما زاد عدد الترانزستورات يصغر حجم الشريحة، وبالتالى يصبح الأداء أعلى واستهلاك الطاقة أقل وقدرة الذكاء الاصطناعى أقوى، ما يجعل أى معركة محسومة بناء على تلك المعطيات.
لكن من الفيصل؟ ومن يقول إن هذا الذكاء الاصطناعى أقوى وأهم؟ هذا يأخذنا إلى الـ«نانومتر» والتى تعد وحدة قياس، وللتبسيط أكثر فإن شعرة الرأس الواحدة فيها حوالى 80 ألف نانومتر، وهذا يمنحنا صورة لمدى صغر ما نتكلم عنه، فشريحة «7nm» قادرة على رصد 1 من 10 آلاف جزء من الشعرة الواحدة، وكلما صغرت الشرائح مثل «5nm» و«2nm» ندخل فى عالم صعب التصور على الإنسان العادى بل وغير المتخصص أيضاً.
بعد هذا التوضيح يظهر بطل القصة الحقيقى أو أخطر آلة فى تاريخ البشرية وهى «Extreme Ultraviolet Lithography» وتعرف اختصاراً بـ«EUV» أما لماذا هى الأخطر؟ فذلك يعود لكونها طابعة حجرية تعمل باستخدام الأشعة فوق البنفسجية القصوى، وهذا يجعلها أعقد ما توصل إليه العقل البشرى حتى الآن، إذ بإمكان تلك الآلة صنع شريحة سيليكون فارغة تنقش عليها مسارات دقيقة جداً، ثم يتم تسليط الضوء الذى يعبر من قناع ليرسم دوائر على الشريحة، وكلما قصر طول موجة الضوء كانت الدقة أعلى.
قبل تلك الثورة التكنولوجية كانت الطابعات القديمة تستخدم ضوءاً عادياً يصنع شرائح «28nm» أو «14nm»، ولم يكن مسموحاً بأكثر من ذلك حتى جاءت الـ«EUV»، التى عملت على توليد ضوء من خلال بعض العمليات وبحسابات دقيقة جداً، حتى لا يتم تدمير العدسات أو إتلاف النظام ما دفع البعض لوصفها بأصعب من تصنيع قنبلة نووية.
شركة «ASML» الهولندية تمكنت من صنع تلك الآلة الخطيرة لكن الأمر لا يقتصر عليها، إذ التكنولوجيا التى تم استخدامها فى الصنع أمريكية والعدسات اللازمة لها ألمانية والمواد الأخرى يابانية، وهذا ما يجعلها مستحيلة التقليد عالمياً، وبلغة الأرقام فإن آلة «EUV» الواحدة يتكلف سعرها فى الوقت الحالى 200 مليون دولار وتتكون من 100 ألف جزء وتشحن فى طائرات خاصة.
أمريكا المشاركة فى التصنيع، سرعان ما فرضت سيطرتها بفرمانات سريعة مثل منع تصديرها إلى الصين واعتبارها أمناً قومياً، لأن من يملكها يستطيع امتلاك AI أقوى وأسلحة أكثر ذكاء واقتصاد ضخم أيضاً، وعلى الجانب الآخر لم تستسلم الصين، إذ حاولت الاستيراد والالتفاف حول تلك القرارات، واستطاعت شركات صينية مثل «Huawei» و«SMIC» تصنيع «DUV» باستخدام 7 نانومتر، كما تمكنت بكين من إجراء تجارب معملية لتوليد الضوء، وهذا تقدم كبير لكن لا يفى بالغرض، لذلك لجأت إلى تعويض ذلك بقوة النظام الكامل من خلال بدائل أخرى مثل «Chiplet design» و«Advanced packaging».
معركة الـ«EUV» هى معركة العشر سنوات المقبلة، بعد أن أضحت هى مفتاح العصر الحقيقى وبدونها يتقيد الـAI العسكرية، وتتأخر المحاكاة النووية والأسلحة الذكية، فهل سيظل حِكراً على الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها أم هناك من هو قادر على تخطى الخطوط الحمراء؟