الكاتب الصحفي عزت إبراهيم يحلل عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي: واشنطن حسمت قرارها.. فنزويلا لم تعد أزمة بل مشكلة يجب إنهاؤها
الكاتب الصحفي عزت إبراهيم يحلل عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي: واشنطن حسمت قرارها.. فنزويلا لم تعد أزمة بل مشكلة يجب إنهاؤها
قال عزت إبراهيم، رئيس تحرير الأهرام ويكلي، خبير السياسة الخارجية، في تحليل حول عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والتوتر بين واشنطن وكراكاس، قائلًا، إن ما جرى لا يفهم باعتباره عملية عسكرية معزولة أو رد فعل تكتيكي على تطور أمني طارئ، بل لحظة كاشفة لمسار كامل أعادت من خلاله الولايات المتحدة، في الولاية الثانية لدونالد ترامب، تعريف علاقتها بأمريكا اللاتينية.
وأضاف أن الضربات الأمريكية، ثم الإعلان عن إخراج نيكولاس مادورو من المشهد، جاءا بعد سنوات من التدرج في التصعيد، انتقلت فيه واشنطن من العقوبات الاقتصادية والضغط الدبلوماسي إلى القناعة بأن هذا المسار لم يعد يحقق أهدافه، في هذه اللحظة، بدا أن القرار السياسي قد حُسم، فنزويلا لم تعد مسألة إدارة أزمة، بل مشكلة يجب إنهاؤها وفقا للمصلحة الأمريكية.
إحياء مبدأ مونرو
وأكد «عزت» أن هذا التحول يرتبط مباشرة بإحياء مبدأ مونرو بوصفه عقيدة حاكمة للسياسة الأمريكية في نصف الكرة الغربي، وهو المبدأ الذي أُعلن عام 1823 لمنع التدخل الأوروبي في شؤون القارة، والذي تحوّل تاريخيًا من صيغة دفاعية إلى غطاء سياسي للتدخل والهيمنة، والولاية الثانية لترامب، لم يعد مجرد تحذير للقوى الخارجية، بل صار مبررًا صريحًا لإعادة ترتيب الأوضاع داخل الإقليم إذا رأت واشنطن أن ميزان المصالح أو الأمن القومي يفرض ذلك، وما جرى اليوم هو التطبيق العملي الأكثر مباشرة لهذا الفهم.
وأشار «عزت» إلى أهمية فنزويلا التي لا تنبع من وضعها الداخلي فقط، بل من موقعها في الحسابات الجيوسياسية الأوسع، لأنها الدولة التي تجمع في آن واحد بين ثروة نفطية هائلة، وانهيار اقتصادي عميق، وعداء سياسي معلن لواشنطن، وحضور روسي وصيني نشط.
وأكد رئيس تحرير الأهرام ويكلي، أن هذا التداخل يجعلها في نظر صانعي القرار الأمريكي نقطة ارتكاز محتملة لاختراق استراتيجي أوسع في جوار الولايات المتحدة المباشر، وهو بالضبط ما يسعى منطق مبدأ مونرو إلى منعه.
إلى جانب النفط، تمتلك فنزويلا ثروة معدنية هائلة تجعلها واحدة من أكثر دول أمريكا اللاتينية حساسية في الحسابات الجيوسياسية المعاصرة، البلاد تقع فوق ما يُعرف بـ«قوس التعدين في أورينوكو»، وهو نطاق غني بالذهب والماس والبوكسيت والحديد، إضافة إلى معادن نادرة تدخل في الصناعات التكنولوجية والعسكرية.
وخلال السنوات الماضية، فتحت كاراكاس هذا القطاع أمام استثمارات روسية وصينية وتركية، في محاولة لتعويض انهيار عائدات النفط، وهو ما أثار قلقا متزايدا في واشنطن من تحول فنزويلا إلى منصة لاستخراج موارد استراتيجية خارج السيطرة الغربية، في لحظة عالمية تتصاعد فيها المنافسة على المعادن الحيوية، بحسب عزت إبراهيم.
الموقع الجغرافي يضاعف من قيمة موارد فنزويلا
كما أن الموقع الجغرافي لفنزويلا يضاعف من قيمة هذه الموارد، فهي تطل على البحر الكاريبي، قريبة من طرق الشحن الحيوية، وتقع على مسافة قصيرة نسبيًا من السواحل الأمريكية، وهو ما يجعلها قريبة من أي حضور اقتصادي أو تقني لقوى منافسة داخل قطاعات الطاقة أو التعدين مسألة أمن قومي في المنظور الأمريكي، لا مجرد منافسة تجارية.
ومن هنا، لا تُفهم فنزويلا فقط كدولة غنية بالموارد، بل كعقدة استراتيجية تجمع بين الثروة الطبيعية والموقع الجغرافي وإمكانية توظيف هذه العناصر في صراع نفوذ أوسع، وهو ما يفسر إصرار واشنطن على منع خصومها من تحويل هذه الموارد إلى أدوات ضغط طويلة الأمد داخل المجال الذي لا تزال تعتبره مجالها الحيوي الخاص.
ووفقًا لتحليل إبراهيم، فالنفط عنصر مركزي في هذه المعادلة، فرغم تراجع الإنتاج الفنزويلي، تظل البلاد صاحبة أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، والسيطرة على اتجاهات هذا المورد، أو على الأقل منع خصوم واشنطن من توظيفه سياسيًا واقتصاديًا، يظل هدفًا استراتيجيًا ثابتًا، لذلك لا يمكن فصل ما جرى اليوم عن اعتبارات سوق الطاقة العالمية، ولا عن رغبة أمريكية في إعادة إدماج هذا المورد ضمن منظومة أكثر توافقًا مع المصالح الغربية.
البعد الاقتصادي في الصراع بين واشنطن وكراكاس
وفيما يتعلق بالبعد الاقتصادي، تمثل فنزويلا عقدة أمنية في الخطاب الأمريكي الجديد، فتصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خلال الأشهر الماضية ركزت باستمرار على ربط النظام الفنزويلي بملفات المخدرات والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، هذا الربط لم يكن مجرد توصيف سياسي، بل أداة لإعادة تعريف الأزمة بوصفها تهديدًا مباشرًا للداخل الأمريكي، فحين تُقدَّم دولة ما بهذه الصورة، يصبح التعامل معها شأنًا أمنيًا بامتياز، وتُهمَّش الاعتبارات الدبلوماسية التقليدية.
من هنا، لم يعد السؤال المطروح في واشنطن هو كيفية دفع كاراكاس إلى تغيير سلوكها، بل كيفية إنهاء الوضع القائم برمته، وإعلان إخراج مادورو من السلطة، بغض النظر عن التفاصيل الإجرائية يحمل دلالة رمزية ثقيلة، فالولايات المتحدة قررت كسر أحد آخر المحرمات في علاقتها بأمريكا اللاتينية، والتعامل مع رأس الدولة بوصفه هدفًا مشروعًا للإزاحة المباشرة، كما أن هذه الخطوة تعيد إلى الأذهان تدخلات نهاية الحرب الباردة، لكنها تأتي اليوم في سياق دولي أكثر هشاشة وتعقيدًا.
الولايات المتحدة ودور الوصي الصريح
وأكد رئيس تحرير الأهرام ويكلي، أن ما جرى اليوم في فنزويلا يتجاوز حدود هذه الدولة، فهو إعلان عملي عن عودة الولايات المتحدة إلى ممارسة دور الوصي الصريح على نصف الكرة الغربي، مستخدمة مبدأ مونرو ليس باعتباره وثيقة تاريخية بل باعتباره أداة سياسية في اللحظة الراهنة، وفنزويلا، بما تمثله من ثروة وموقع وصراع نفوذ، لم تكن سوى الساحة الأنسب لاختبار هذا التحول، وما سيأتي لاحقًا في الإقليم سيحدد ما إذا كان هذا النهج لحظة عابرة أم بداية مرحلة طويلة من إعادة رسم الخرائط بالقوة.