عبدالفتاح علي يكتب: فتاة وبحيرتان.. ريمونتادا السمراء المصرية
عبدالفتاح علي يكتب: فتاة وبحيرتان.. ريمونتادا السمراء المصرية
فى رواية «فتاة وبحيرتان» لا نجد مجرد سرد لأحداث فتاة تكافح بين مكانين، بل رحلة قاسية داخل نفس مرتبكة، البحيرتان ما هما سوى مرآتين لصراع وجودى وهوية ممزقة.
«نداء» تتصور أنها تتحرك بين مصر وسويسرا، لكنها فى الحقيقة تتمزق بين ضفتين، كل ضفة تحمل معها صوتاً مختلفاً للحياة وللذات: القرية المصرية، بصخبها وذكريات الطفولة، تمثل الجذور التى أصابها المرض، القيود التى حاصرها الصدأ، التقاليد التى نخرتها الرجعية، والحياة التى تُفرض بلا استئذان، بينما الضاحية السويسرية، بهدوئها البارد، تمثل المجهول الذى يصاحبه الخوف، الحرية التى تزلزل النفس، الانفصال عن الجذور الذى يشتت العقل، وإغراء المغامرة الفردية الذى ينصب لها الكمائن.
بين هاتين الضفتين، تتأرجح نداء بين ثقلين: الحنين لحياة قاسية، أو الرغبة فى التحرر المؤلم.
اللغة فى الرواية أكثر من مجرد أداة سردية؛ هى نبض داخلى، موجة مشاعر تصطدم بصخور الجحود، همس يصرخ فى صمت القارئ. الأسلوب شعرى، لكنه مشحون بالكثافة النفسية: كل كلمة تنبض بالتردد والخوف والرغبة، كل جملة وكأنها تتحرك بين نقيضين لتكشف عن عمق الصراع الداخلى. تأملات نداء تجعل النص كأنه مرآة للقارئ، يعكس شكوكه وانكساراته الخاصة.
العلاقات الإنسانية فى الرواية مركبة وعنيفة أحياناً فى صراعاتها الخفية.
علاقة نداء مع الزوج الأكبر سناً تتأرجح بين الحنان والسيطرة، الانجذاب والخوف، الرغبة والاستسلام. ليست حباً، بل بحث عن المفقود، محاولة للتمرد على القيود الداخلية، صراع بين الحلم والواقع.
يجعل الرواية كأنها تجربة حياتية، بلا تهذيب أو تجميل، مع كل التوترات والتناقضات التى تصنع الإنسان.
شخصياً فزعت فى البداية، تملكنى الإحساس بالغضب، شعرت بالمسئولية، لا أدرى لماذا، هل لزمالة سابقة مع الروائية المتمكنة، أم لصداقة لم أستطع تغذيتها بمكالمة أو حتى رسالة، التفاصيل الغزيرة التى أجادت إيقاعى فى هذا الارتباك، سرعان ما هدأت من روعى، عندما أدركت أن نداء بنت خيال أمانى.
استمرت الرواية فى إدهاشى، لكن هذه المرة بسبب التركيز على الاغتراب النفسى والانفصال عن الجذور، اللذين مررت بهما سنوات طويلة، كل مشهد، كل موجة، كل صمت، يطرح أسئلة حول الانتماء، الحرية، الهوية، والخيارات التى يشقها الإنسان لنفسه بين ماضٍ لا يملك منه سوى جروح ومستقبل يسلب الممكن من السعادة فى الحاضر الوهمى.
جمال النص، لم يجمل بطء الإيقاع والتركيز على الاضطراب النفسى كأنها رحلة بفلوكة فى بحيرة هائلة تحمل شراعاً ممزقاً لا يشتم سوى هواء ساكن، فتسمع فى كل صفحة صرخة فى صمت البحيرة، لكنه يدوى بدخلك.
فى النهاية، تغلق الدفة الثانية للرواية، فتحتار فى أى ضفة انتصرت الفتاة، قد يكون الإعلان حدث فى البلدة السويسرية، لكن المعركة الحقيقية كانت على أفكار القرية المصرية.
من بين الاستهتار، والسادية، والأنانية، انتصرت السمراء بمفردها على الذئب الرمادى، مرات ومرات، على ضفة البحيرة الأولى بالمقاومة، أو على ضفاف البحر الشمالى بالنجاة، أو على ضفاف البحيرة الثانية بالريمونتادا، أو بين الجبلين لتكتب أول أجمل فصول حياتها.