على أنغام السمسمية.. صيادو بورسعيد يستخرجون «كنز الشتاء» من رمال البحر
على أنغام السمسمية.. صيادو بورسعيد يستخرجون «كنز الشتاء» من رمال البحر
«طازة وعال يا أم الخلول».. كلمات تغنت بها بورسعيد ورقصت على أنغام سمسميتها الفنانة عايدة رياض، لكن خلف هذا اللحن المبهج تتوارى ملامح مهنة شاقة، لا تكتفى بترك آثارها على وجوه أصحابها، لكنها تلقى بهم فى برودة مياه البحر.
فى الوقت الذى يبحث فيه الناس عن دفء بيوتهم هرباً من صقيع الشتاء، يقف محمد مطاوع، 35 عاماً، وسط مياه البحر المتلاطمة، ملامح «محمد» قد تخدعك للوهلة الأولى فتظنه رجلاً تجاوز الخمسين، لكنها سنوات الكدح والملوحة والبرد التى حفرت أخاديدها مبكراً على وجه الشاب الثلاثينى.

صيد الخلول مهنة ورثوها عن الأجداد
يردد محمد وهو يحمل عدته الحديدية الثقيلة: «اللهم ارزقنى كما ترزق الطير، تغدو خماصاً وتعود بطاناً»، لقد ورث هذه الحرفة عن الآباء والأجداد، ولا يعرف لنفسه طريقاً غيرها، رغم قسوة الأمواج التى يخوض فيها لأربع أو خمس ساعات يومياً بحثاً عن تلك الحبة المختبئة فى رمال القاع.
تبدأ رحلة الشقاء فى الخامسة صباحاً: «بصحى أصلى الفجر وأتناول الإفطار ثم أخرج على باب الله إلى شاطئ بورسعيد الساعة 6 صباحاً وأحمل عدتى»، يحزم محمد وسطه بحبل يربطه بإطار حديدى مربع، يغرزه فى الرمال كالفأس، فتخرج الشباك محملة بالخلول والقشريات، وعلى الشاطئ، تبدأ عملية «الغربلة» باستخدام منخل كبير، ليجمع فى جوال كبير، وأحياناً تساعده الرياح فى طيران القشريات الخفيفة تبقى الخلول الثقيلة فى قلب المنخل.
يحكى محمد مطاوع: «الشتاء هو موسم أم الخلول، فلحمها يكون ثميناً وصدفتها مغلقة، عكس الصيف الذى يجعلها تتفتح ويتناثر لحمها فى البحر»، وتوجد بكثرة فى بورسعيد كما توجد فى بعض المحافظات الساحلية، منها رأس البر وعزبة البرج والبردويل، ولكن طعمها مميز فى بورسعيد: «لكن فى الصيف أشتغل فى صيد الأسماك بطريقة الشد «الدهرا» على شاطىء بورسعيد فى غياب أم الخلول». ومع دقات الحادية عشرة، ينهى هو وشقيقه يومهما الشاق ليذهبا بالحصيلة إلى التاجر، الذى يغسلها جيداً ويضيف إليها الملح لبيعها كطبق رئيسى على مائدة الإفطار لأهالى بورسعيد والزائرين من مختلف المحافظات.
وخلف هذه الرحلة اليومية تكمن أحلام بسيطة، زوجة وطفلتان «لين وسيليا»، فيقول محمد: «هما كل أحلامى فى الحياة، لا أريد من الدنيا إلا الستر وأن يرزقنى الله برزقهم».
أما أشرف محمد، 50 عاماً، الذى بدأ المهنة وهو فى السادسة من عمره، فيحكى عن اندثار الحرفة: «الشباب اليوم يريدون مهناً مريحة ومربحة، مهنتنا شاقة ورزقها محدود». ورغم أنه علّم أبناءه أصول الصيد، فإنه يتمنى لهم مستقبلاً بعيداً عن البحر: «أتمنى يكملوا تعليمهم، ويشتغلوها مهنة مساعدة لا أساسية».

الرزق الطازج علي شاطىء بورسعيد
وعلى رمال الشاطئ، تقف «الحاجة كريمة» فى انتظار الرزق الطازج، تشترى الخلول لتضعه طبقاً رئيسياً على الإفطار بجانب الفول والطعمية، فهى تمنحهم الدفء بالصلصة الحمراء أو الشوربة البيضاء.

وفى شارع «الحميدى» العريق، يقف رجب أبوهبة، أقدم بائعى الخلول، ليعرض حصاد البحر بمختلف أحجامه، ورث رجب المهنة أباً عن جد، وربى منها أبناءه، مؤكداً أنها «صاحبة فضل» عليه: «أهالى بورسعيد وزوارها يطلبونها بالاسم، فهى أرخص أنواع الأسماك، وأغناها بالأوميجا 3، وسعراتها تمنح الدفء فى عز الشتاء».
تنتهى رحلة «أم الخلول» من أعماق الرمال إلى مائدة الطعام، محملة بعرق صيادين لم تمنعهم «لسعة البرد» من مطاردة رزقهم، لتبقى بورسعيد تحتفظ بطعمها الخاص الذى لا يشبهه أى مكان آخر.
