«سباق التسلح».. تهديد للتنمية الاجتماعية والاقتصادية في العديد من دول العالم
«سباق التسلح».. تهديد للتنمية الاجتماعية والاقتصادية في العديد من دول العالم
يتجه العالم نحو مرحلة جديدة من سباق التسلح غير المسبوق، حيث ارتفعت ميزانيات الدفاع العالمية إلى مستويات تاريخية تهدد التنمية الاجتماعية والاقتصادية فى العديد من الدول، ففى عام 2024، بلغ الإنفاق العسكرى العالمى 2.7 تريليون دولار، بزيادة 9.4% عن العام السابق، وهو أكبر ارتفاع سنوى منذ نهاية الحرب الباردة، وفقاً لمعهد ستوكهولم الدولى لأبحاث السلام.
ويحذر الخبراء من أن هذا التصاعد فى التسلح لا يقتصر على تعزيز القدرة الدفاعية، بل يُعيد ترتيب أولويات الدول لصالح الأمن والدفاع على حساب الصحة والتعليم والبنية التحتية، ما يعمّق الفجوات الاجتماعية ويضعف جهود التنمية المستدامة.
وفى الوقت نفسه، يشهد التسلح بين القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، تصاعداً مقلقاً يعيد تعريف قواعد الردع والاستقرار العالمى، ويزيد من احتمالات النزاعات الإقليمية وحتى النووية، بحسب معهد ستوكهولم الدولى لأبحاث السلام.
وقد شهدت جميع مناطق العالم ارتفاعات كبيرة خلال العقد الماضى، باستثناء أفريقيا وأمريكا الجنوبية، وفى تقرير جديد للأمم المتحدة، بعنوان «الأمن الذى نحتاجه: إعادة التوازن فى الإنفاق العسكرى من أجل مستقبل مستدام وسلمى»، حذر من أن الارتفاع المستمر فى ميزانيات الدفاع يُحد من قدرة الدول على تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة، ويؤكد أن زيادة التسلح لا تعنى بالضرورة السلام والأمن.
ويقول خبراء إن الهدف الجديد لـ«الناتو» يمثل رد فعل سياسياً أكثر من كونه حاجة استراتيجية حقيقية، ويزيد من نفوذ صناعات الأسلحة الأوروبية ويضع ضغوطاً إضافية على الدول الأخرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا لمواكبة الإنفاق العسكرى.
ارتفاع الإنفاق العسكرى العالمى يقابله تراجع فى التنمية الاجتماعية، فقط 35% من أهداف التنمية المستدامة تسير على المسار الصحيح، بينما يعانى نصفها من الركود، و18% من التراجع.
وفى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، تم خفض المساعدات الإنمائية الرسمية، مع إعادة توجيه الفارق نحو الإنفاق العسكرى، وتشير الدراسات إلى أن زيادة 1% فى الإنفاق العسكرى كنسبة من الناتج المحلى ترتبط بانخفاض مماثل فى الإنفاق الصحى فى الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
وارتفع التسلح لدى الصين بنسبة 72% بين 2014 و2024، رغم أن الإنفاق لا يزال أقل من المتوسط العالمى، بينما روسيا وأوكرانيا وإسرائيل وميانمار، هناك زيادات كبيرة فى ميزانياتها العسكرية، كرد فعل على النزاعات الإقليمية.
وفيما يتعلق بحلف «الناتو»، فهو يستحوذ على 55% من الإنفاق العسكرى العالمى فى 2024، وزيادة إنفاقه قد تثير ردود فعل مضادة من المنافسين. وقال محمود شحاتة، الخبير فى التنمية المستدامة، إن تحويل الأموال الباهظة المخصصة للتسلح إلى التنمية يمكن أن يحدث تحولاً جذرياً فى حياة الشعوب ويعزز الاستقرار العالمى.
واعتبر «شحاتة» أن إعادة توجيه التمويل العسكرى نحو التعمير والتنمية يمكن أن يسد فجوات التنمية، ويقلل الفقر والبطالة، ويعزز الأمن الاجتماعى، مشيراً إلى أن الاستثمار فى التنمية البشرية يُعد خط الدفاع الأول ضد النزاعات، ويقلل من احتمالات اندلاع الصراعات المحلية والإقليمية.
2.7 تريليون دولار زيادة الإنفاق العسكرى العالمى خلال 2024.. الأكبر منذ الحرب الباردة
وقال الخبير الاستراتيجى الدكتور محمد صالح الحربى إن العالم يشهد نمواً فى التسلح يعكس توترات جيوسياسية متصاعدة فى أوروبا والشرق الأوسط، ما دفع الدول إلى إعادة ترتيب أولوياتها لصالح الأمن والدفاع على حساب الصحة والتعليم والبنية التحتية.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تتصدر الإنفاق الدفاعى بنحو 997 مليار دولار، تليها الصين بـ296 مليار دولار، فيما سجلت روسيا زيادة بنسبة 38% لتصل إلى 149 مليار دولار، مدفوعة بالحرب فى أوكرانيا، التى خصصت نحو 64.7 مليار دولار، أى 34% من ناتجها المحلى الإجمالى، الأعلى عالمياً من حيث العبء العسكرى.
وحذر «الحربى» من أن تصاعد الإنفاق العسكرى يقلص التمويل المتاح للتنمية المستدامة ويزيد من حدة النزاعات والفقر والنزوح، مشيراً إلى تحذيرات الأمم المتحدة والبنك الدولى التى توقعت أن يصل عدد الفقراء فى مناطق النزاع إلى أكثر من 435 مليون شخص بحلول 2030.
وأكد «الحربى» أن الإنفاق العسكرى، رغم ضرورته أحياناً، يشكل تحدياً أمام التنمية العالمية، داعياً إلى إعادة تقييم الأولويات لضمان التوازن بين الأمن والتنمية المستدامة.
وفيما يخص إمكانية تحويل الأموال الباهظة المخصصة للتسلح نحو مشاريع التعمير والتنمية، أكد العميد سمير راغب، رئيس المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الاستراتيجية والخبير الاستراتيجى، ضرورة تحقيق التوازن بين القوة العسكرية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وأوضح «راغب» أن التاريخ يقدم أمثلة على فشل الاقتصادات عندما ركزت على التسلح على حساب التنمية، مشيراً إلى الاتحاد السوفيتى الذى امتلك أقوى ترسانة نووية وسلاح لكنه افتقر إلى البنية التحتية والخدمات الأساسية، ما أدى فى النهاية إلى انهياره.
وأضاف أن دولاً مثل الصين تمتلك اقتصادات ضخمة لكنها عسكرياً ما زالت تحاول مواكبة القوة الأمريكية، فى حين تقود الولايات المتحدة العالم بفضل توازنها بين القوة العسكرية والاقتصادية، ما يجعلها دولة عظمى.
وأشار إلى أن التسلح ليس فقط للقتال والحروب، بل هو جزء من الاقتصاد العالمى، من خلال تطوير الصناعات الدفاعية وبيع الأسلحة للدول المنتجة، كما هو الحال فى مصر التى طورت إنتاجها العسكرى لتحقيق دخل اقتصادى إضافى.
وأكد أن الأسلحة الاستراتيجية مثل النووية وأسلحة الدمار الشامل عالية التكلفة ولا يمكن استغلالها إلا فى الدفاع، بينما تشكل الأنظمة الدفاعية عنصراً من عناصر القوة الشاملة للدولة، جنباً إلى جنب مع الاقتصاد والعلاقات الخارجية والتكنولوجيا.
ولفت «راغب» إلى أن العديد من الابتكارات العسكرية أصبحت لاحقاً أدوات مدنية، مثل الطائرات والصواريخ التى صُممت فى الأصل للحروب ثم استُخدمت فى النقل والفضاء والبحث العلمى، موضحاً كيف يمكن للتكنولوجيا العسكرية أن تتحول إلى منفعة للمدنيين وتعزز التنمية.