«الاتزان الاستراتيجي».. عقيدة نشطة للدبلوماسية المصرية

كتب: محمد عبد العزيز

«الاتزان الاستراتيجي».. عقيدة نشطة للدبلوماسية المصرية

«الاتزان الاستراتيجي».. عقيدة نشطة للدبلوماسية المصرية

تعكس السياسة الخارجية المصرية خلال عام 2025 نهجاً ثابتاً يقوم على الدبلوماسية النشطة، والعمل التراكمى، والالتزام بالشرعية الدولية، ودعم مؤسسات الدول الوطنية، وتعزيز العمل العربى المشترك، بما يرسخ دور مصر كشريك رئيسى فى صياغة مقاربات واقعية ومسئولة للتحديات الإقليمية، ويؤسس لمرحلة أكثر استقراراً وتعاوناً فى المحيط العربى خلال السنوات المقبلة.

ووسط بيئة إقليمية شديدة التعقيد، وخرائط سياسية تشهد تحولات متسارعة، واصلت مصر، خلال عام 2025، اضطلاعها بدور محورى ومسئول، انطلاقاً من توجيهات القيادة السياسية والثوابت الحاكمة للسياسة الخارجية المصرية، بما يعكس مكانة «القاهرة» كركيزة أساسية للاستقرار الإقليمى وحائط صد أمام موجات الفوضى والصراعات الممتدة.

وجاء التحرك المصرى مدفوعاً برؤية استراتيجية تقوم على دعم مسارات التعاون والتكامل والتنمية، وصون الأمن القومى العربى، والحفاظ على وحدة الدول الوطنية، فى وقت تشهد فيه المنطقة تصاعداً غير مسبوق فى النزاعات المسلحة والتدخلات الخارجية.

وتأتى أهمية الاستراتيجية التى تبنتها مصر فى سياستها الخارجية تحت شعار «الاتزان الاستراتيجى»، وهى السياسة التى مارستها مصر خلال السنوات العشر الأخيرة تجاه القضايا الإقليمية والدولية فى إطار محددات وطنية صارمة أهمها «مراعاة أبعاد الأمن القومى المصرى، والسعى إلى السلام الشامل القائم على العدل، ودعم مؤسسات الدولة الوطنية، واحترام إرادة الشعوب».

وتصدرت القضية الفلسطينية أولويات التحرك المصرى خلال عام 2025، حيث واصلت «القاهرة» لعب دور محورى فى إدارة المسارات السياسية والإنسانية المرتبطة بالأزمة فى قطاع غزة، استناداً إلى رؤية متكاملة تؤكد الحفاظ على الحقوق الفلسطينية المشروعة، ووحدة الأراضى الفلسطينية، ورفض أى محاولات للتهجير أو تصفية القضية.

واستضافت مصر القمة العربية الطارئة فى مارس 2025، التى أسفرت عن توافق عربى واسع لدعم الموقف الفلسطينى، واعتماد الخطة العربية - الإسلامية لإعادة إعمار قطاع غزة، كما شكل مؤتمر شرم الشيخ للسلام فى أكتوبر 2025 محطة مفصلية فى احتواء العدوان ووقف إطلاق النار، عقب جهود وساطة مكثفة قادتها «القاهرة» طوال فترة الحرب.

وفى الأزمة السودانية، كثفت مصر جهودها خلال عام 2025 لدعم وحدة السودان وسيادته واستقراره، حيث شهد العام زيارتين للفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالى، إلى «القاهرة»، إلى جانب زيارات رسمية رفيعة المستوى متبادلة، شملت زيارتين لوزير الخارجية المصرى إلى السودان.

وواصلت مصر انخراطها النشط فى التعامل مع الأزمات العربية الممتدة، وعلى رأسها الأزمة الليبية، حيث دعمت الحلول السياسية القائمة على الملكية الوطنية، من خلال التنسيق الوثيق مع دول الجوار، لا سيما عبر إعادة تفعيل الآلية الثلاثية مع الجزائر وتونس، بهدف توحيد المؤسسات الليبية، وخروج القوات الأجنبية والمرتزقة، وتهيئة المناخ لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن.

كما واصلت «القاهرة» تحركاتها الدبلوماسية دعماً لأمن واستقرار لبنان، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن استقرار الدولة اللبنانية يمثل ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة، حيث شهد عام 2025 تبادلاً مكثفاً للزيارات رفيعة المستوى، وتكثيف الاتصالات مع الأطراف اللبنانية والإقليمية والدولية، بهدف تجنيب لبنان مخاطر التصعيد، ودعم مؤسسات الدولة، وصون السيادة الوطنية.

وعلى صعيد الأمن الإقليمى، لعبت مصر دوراً فاعلاً فى بلورة رؤية عربية مشتركة للأمن والتعاون، تُوجت باعتماد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزارى قرار «الرؤية المشتركة للأمن والتعاون فى المنطقة»، الذى أكد على مبادئ احترام سيادة الدول، ووحدة أراضيها، ورفض التدخلات الخارجية، وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، وإنهاء الاحتلال كمدخل لتحقيق سلام عادل ومستدام.

وشهد عام 2025 نشاطاً غير مسبوق فى أطر التعاون المصرى العربى، حيث عقدت 5 لجان عليا على مستوى رؤساء الحكومات مع كل من العراق والأردن وتونس ولبنان والجزائر، إلى جانب لجان وزارية مشتركة مع عدد من الدول العربية، فضلاً عن لجان حكومية وتجارية متخصصة.

«عبدالعاطى»: مصر ترفض التدخل فى الشئون الداخلية وتحترم سيادة الدول

وعن العقيدة الدبلوماسية المصرية، أوضح الدكتور بدر عبدالعاطى، وزير الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج، أنها تقوم على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل فى الشئون الداخلية، والحفاظ على الدولة الوطنية، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية لتسوية النزاعات، مؤكداً أن مصر تتحرك وفق ثوابت واضحة وتاريخ طويل من التوازن والحكمة، وتضع تحقيق الاستقرار والسلام فى صدارة أولوياتها.

وفيما يتعلق بالتعامل مع ملفات المنطقة، أكد أن «القاهرة» تتبنى رؤية شاملة ومسئولة تراعى تعقيدات الأوضاع وتشابك المصالح، مع رفض التصعيد ودعم الحلول السياسية التى تحفظ أمن الشعوب واستقرار الدول.

«سلامة»: صون الأمن القومى فى مقدمة سياسات الخارجية المصرية

بدوره، يقول الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية، إن ثبات الموقف المصرى منذ بداية العام، وخلال العامين الماضيين، يعكس طبيعة راسخة فى العقيدة الدبلوماسية المصرية، تقوم على مجموعة من الثوابت التى لم تحِد عنها «القاهرة» رغم تغير المعطيات وتفجر الأزمات بشكل متسارع فى المنطقة.

وأوضح أن هذا الثبات ليس جموداً، وإنما تعبير عن سياسة خارجية متوازنة تدرك تعقيدات المشهد وتتعامل معه بمنهج استراتيجى طويل النفس.

وأكد أن مصر كانت ولا تزال صانعة سلام ورمانة الميزان فى الإقليم، بل يمكن اعتبارها مؤشراً للاستقرار ليس فقط فى الشرق الأوسط، وإنما على مستوى النظام الدولى ككل، مضيفاً: «السياسة الخارجية المصرية تستند إلى محددات حاكمة فى مقدمتها صون الأمن القومى المصرى، واحترام سيادة الدول، ورفض التدخل فى الشئون الداخلية، إلى جانب السعى الدائم لتحقيق المصلحة الوطنية المصرية فى إطار من التوازن والانضباط الاستراتيجى».


مواضيع متعلقة