افتقاد الدفع الإعلامي والقوة الناعمة في غزة
رفعت رشاد
كاتب صحفي
يغرق الشعب الفلسطيني في غزة في هذه الفترة الشتوية الممطرة وقارسة البرودة. تنجرف الخيام في المياه الغزيرة وتذروها الرياح الباردة، ويعيش ـ أو لا يعيش ـ شعب فلسطين في غزة في ظروف قاسية للغاية. أصدر وزراء خارجية ثماني دول إسلامية بيانًا يطالبون فيه بإدخال المساعدات إلى غزة بدون تحديد سقف لحجمها، معربين عن قلقهم البالغ من الأوضاع.
في رأيي يتطلب الأمر أكثر من مجرد بيان أو شجب للأمور، وتحرك الدول العربية والإسلامية ليس فقط من خلال الصراع العسكري أو نشوب حرب، بل يمكن استخدام والاستفادة من أساليب الحرب الحديثة والتي تحمل لقب الجيل الرابع والخامس. بعد عملية طوفان الأقصى تفاعل العالم وتعاطف مع الفلسطينيين في غزة ومأساتهم غير المسبوقة، لكن هذا الزخم خفت الآن واستطاعت إسرائيل استعواض ما فقدته وعادت لتسيطر على الساحة الإعلامية العالمية وتكرس ما تريد من مفاهيم لدى الرأي العام الغربي والعالمي.
جاءت زيارة نجمة التمثيل السينمائي العالمية أنجيلينا جولي إلى رفح لتفتح ملف الإعلام والقوة الناعمة من جديد. فزيارتها لا يجب أن تكون حدثًا عابرًا أو مجرد ظهور إنساني لممثلة عالمية، بل علينا أن نجعلها لحظة كاشفة لطبيعة المأساة الفلسطينية حين تُرى بعين العالم لا بعين الضحية وحدها. علينا أن نستغل وجود شخصية بحجم جولي، وهي سفيرة للأمم المتحدة وتحظى بمصداقية عالية في الإعلام الغربي، لنقل معاناة أهل غزة من مستوى التقارير الإخبارية الباردة إلى مستوى التجربة الإنسانية الحية، خاصة مع تأثرها الواضح بما شاهدته من خيام غارقة بمياه الأمطار، وبرد قارس يقتل الأطفال، وغياب كامل لأبسط شروط الحياة الآدمية. هذه المشاهد حين تنقلها شخصية غير عربية وغير مُسَيَّسة تقليديًا يكون لها وقع مختلف، لأنها تخترق جدار اللامبالاة الدولي وتخاطب الضمير الإنساني مباشرة.
هذه الزيارة كان يمكن أن تتحول إلى رافعة إعلامية عالمية تخدم القضية الفلسطينية بوصفها قوة ناعمة مؤثرة، إلا أن التعامل العربي معها جاء تقليديًا ومحدودًا، واكتفى بالتغطية الخبرية السريعة دون بناء سردية إنسانية متكاملة أو حملة إعلامية موجهة للرأي العام الدولي. هنا تتجلى أزمة الإعلام العربي التي لا تكمن في نقص المعلومات، بل في ضعف الاحترافية وغياب الخيال الإعلامي وعدم مواكبة أدوات الإبداع الحديثة في التأثير وصناعة الرسائل. الإعلام المعاصر لا يكتفي بنقل الحدث، بل يصنع منه قصة، ويعيد تدويرها بصيغ متعددة، ويمنحها عمرًا أطول وتأثيرًا أعمق، وهو ما لم يحدث في هذه الحالة.
القوة الحقيقية لزيارة أنجيلينا جولي تكمن في كونها شاهدًا إنسانيًا من خارج الدائرة العربية والإسلامية، وهو ما يمنح روايتها وزنًا أخلاقيًا مضاعفًا في المجتمعات الغربية. كان بالإمكان استثمار تصريحاتها ومشاعرها وتحويلها إلى مادة إعلامية مترجمة ومدروسة تخاطب القيم الإنسانية العالمية مثل الكرامة وحقوق الإنسان وحماية الأطفال، بدل حصرها في إطار التضامن العاطفي العابر. التجربة تؤكد أن الصورة الإنسانية الصادقة أبلغ أثرًا من خطاب سياسي مباشر، وهو ما رأيناه أيضًا في تغير الموقف الفرنسي نسبيًا بعد زيارة الرئيس ماكرون لمنطقة رفح، حيث لعبت المشاهد الميدانية دورًا مهمًا في إعادة تشكيل النقاش داخل فرنسا والضغط على صناع القرار عبر الرأي العام.
الطريقة الأفضل للتعامل مع مثل هذه الزيارات تقوم على الانتقال من منطق التغطية إلى منطق الإدارة الإعلامية للأثر، تحويل الزيارة إلى حملة متكاملة ذات أهداف واضحة، تستثمر الشهادة الإنسانية للشخصية الزائرة دون تسييس فج. كما يتطلب الأمر إعلامًا رقميًا محترفًا يخاطب العالم بلغاته وثقافاته، ويعتمد على الاستمرارية، لا على اللحظة، وعلى تراكم التأثير، لا الضجيج المؤقت. فالقضية الفلسطينية لا تعاني من نقص العدالة الأخلاقية، إنما تعاني من ضعف في إدارة صورتها عالميًا، وهذه معركة لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى على الأرض.