الإمام الأكبر في الثمانين.. مسيرة عطاء انطلقت من الصعيد إلى العالمية

كتب: عبد العزيز سلامة

الإمام الأكبر في الثمانين.. مسيرة عطاء انطلقت من الصعيد إلى العالمية

الإمام الأكبر في الثمانين.. مسيرة عطاء انطلقت من الصعيد إلى العالمية

قال الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر الشريف، إن بلوغ الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب عامه الثمانين لا يمكن النظر إليه باعتباره رقمًا زمنيًا عابرًا، بل هو «نهر عطاء متدفق» لرجل خرج إلى الحياة حاملاً رسالة السلام وصناعة الخير وإصلاح ذات البين، مؤكدًا أن مسيرته لم تكن وليدة المصادفة، وإنما ثمرة بيئة أصيلة وقيم راسخة.

وأضاف وكيل الأزهر أن مدينة القرنة بصعيد مصر، موطن نشأة الإمام الأكبر، لم تكن مجرد مكان جغرافي، بل كانت مدرسة إنسانية متكاملة، تمثلت في «ساحة آل الطيب»، التي وصفها بأنها كانت ملاذًا مفتوح الأبواب لكل مظلوم، وموئلًا للعدل والحكمة، ومقصدًا للفقراء دون تفرقة أو سؤال عن هوية أو دين.

وأشار إلى أن الإمام الأكبر نشأ في هذه البيئة النقية، بين رجال تعلموا أن العدل عبادة، وأن الإصلاح رسالة، وأن حقن الدماء مقدم على كل اعتبار، لافتًا إلى أنه حين زار القرنة ورأى ساحة آل الطيب عن قرب، أيقن أن خروج هذه القامة العالمية من هذه الأرض كان أمرًا طبيعيًا وحتميًا، «فالنبت الطيب لا يخرج إلا من تربة طيبة».

انتقال الإمام الطيب إلى الأزهر

وأوضح أن الإمام الأكبر انتقل بعد ذلك إلى الأزهر الشريف، إذ وجد بوصلته العلمية والروحية، وتشكلت شخصيته على مائدة التراث الأزهري الرصين، دون انغلاق على العصر أو انفصال عن واقعه، مؤكدًا أن قيادة الإمام الطيب لم تقتصر على إدارة شؤون الأزهر داخليًا، بل تجاوزت ذلك إلى حمل همّ الإنسانية جمعاء.

وأضاف أن الإمام الأكبر لم يكن يومًا «سفير منصب»، بل كان حكيمًا عالميًا يقرأ آلام البشر بعين نافذة، ويبحث عن المدينة الفاضلة وسط ركام الحروب وضجيج الكراهية الذي أنهك ضمير العالم، مشددًا على أن إنجازاته ومواقفه في نصرة الفقراء، والدفاع عن حقوق المرأة، والوقوف إلى جانب الضعفاء، إضافة إلى مواقفه الثابتة تجاه قضايا الأمة، وفي مقدمتها فلسطين وغزة، باتت محفوظة في ذاكرة الوطن والأمة والعالم.

وأضاف أن الحديث في هذه المناسبة لا يهدف إلى تعداد الإنجازات، بقدر ما هو شهادة في رجل «قلّما يجود الزمان بمثله»، رجل تتقدم حكمته على صوته، وتسبق إنسانيته موقعه، ويُعلّم من خلال سيرته أن القيادة ليست في الصخب، بل في الاتزان، وأن القوة الحقيقية تكمن في الثبات على الحق لا في القسوة.

وأكد أنه تعلم من الإمام الأكبر عن قرب، أن العالم الحق لا يعادي عصره ولا يذوب فيه، بل يهذبه ويقوم مساره، وأن الحوار ليس تنازلًا عن الثوابت، بل أرقى وسائل الدفاع عنها، وأن الصمت حين تقتضيه الحكمة أبلغ من آلاف الخطب.

تواضع الإمام الأكبر.. رفعة حقيقية

وتابع قائلًا إن تواضع الإمام الأكبر لم يكن انكسارًا، بل رفعة حقيقية، وإن نصرة الضعيف لديه مبدأ ثابت لا موقفًا عابرًا، مشيرًا إلى أن جبر الخواطر عنده عبادة خفية لا تقل شأنًا عن عظيم الأعمال، وأن كرمه لا يُقاس بما يعطيه ماديًا، بل بما يزرعه في النفوس من طمأنينة وأمان.

وأوضح وكيل الأزهر أنه لمس في شخصية الإمام الأكبر اعتزازًا عميقًا بالإنسانية، وثباتًا على القيم، وهدوءًا في الحضور، وعمقًا في الأثر، فضلًا عن غيرته الصادقة على الدين والوطن، وثباته في مواقفه تجاه قضايا الأمة، دون مساومة على الحق أو رفع للصوت إلا حيث يجب.

وأشار إلى أن من أبرز محطات مسيرة شيخ الأزهر انطلاقه في درب السلام العالمي، بتوقيع وثيقة الأخوة الإنسانية مع قداسة بابا الكنيسة الكاثوليكية، واصفًا إياها بأنها نقطة تحول كبرى في التاريخ الإنساني الحديث، كما نوّه بدوره في تأسيس «بيت العائلة المصرية» حفاظًا على وحدة النسيج الوطني، وإعادة جسور الحوار بين الشرق والغرب بعد قطيعة طويلة.

واختتم الدكتور محمد الضويني مقاله بتأكيد أنه مع بلوغ الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب عامه الثمانين، تكون رسالته قد تجاوزت حدود الجغرافيا وبلغت الآفاق، وبقي الأزهر الشريف به منارة سلام، وضمير أمة، وملاذ إنسانية، داعيًا الله أن يحفظ الإمام الأكبر، ويديم نفعه، ويجعل ما قدّمه ويقدّمه في ميزان الخير للبشرية جمعاء.