ضمن هذا الإطار، برزت الإرهاصات جلية بأن واشنطن تسعى إلى تنصيب شخصيات موالية لخطها السياسى ولإسرائيل، بما يضمن إعادة توجيه سياسات فنزويلا النفطية والاستراتيجية بما يخدم مصالح الشركات العابرة للقوميات وحلفائها. هنا، لا تعود الانتخابات أو السيادة سوى تفاصيل ثانوية أمام الهدف الأكبر: السيطرة على الموارد الطبيعية، وفى مقدمتها النفط، الذى تملكه فنزويلا بأكبر احتياطى مؤكد فى العالم. هذا النمط من السلوك ليس استثناءً، بل يعكس -وفق هذا التحليل- عقيدة راسخة فى السياسة الأمريكية - الإسرائيلية كما أشار إليها المفكر الأمريكى «نعوم تشومسكى»، من يملك القوة يملك الحق، ومن يرفض الانصياع يُعاقَب أو يُستبدَل، بغض النظر عن طبيعة أنظمتها أو احترامها لحقوق الإنسان. وهو ما يفسر لماذا تُوصَف دول بعينها بالديكتاتورية والخطر، لا بسبب انتهاكاتها، بل بسبب خروجها عن خط الهيمنة الغربية.
إسرائيل، من جهتها، تقدم نموذجاً موازياً فى المنطقة العربية، حيث تُمارَس سياسات فرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية والاستيطان، مع غطاء أمريكى كامل، فى تحدٍ صارخ لقرارات الأمم المتحدة. واللافت أن الأدوات واحدة: تجفيف الموارد، شيطنة الخصوم، ثم تقديم العنف باعتباره دفاعاً عن النفس أو نشراً للديمقراطية.
وتتقاطع التجربتان الفلسطينية والفنزويلية فى الدعم الهائل الذى تتلقاه رئيسة المعارضة الفنزويلية «ماريا ماتشادو»، وهى معارضة ذات توجهات يمينية متطرفة، ارتبط خطابها السياسى بشكل وثيق بالمحور الأمريكى - الإسرائيلى، فقد عبّرت هذه النائبة فى مناسبات عدة عن دعمها الصريح لإسرائيل واصطفافها الكامل مع روايتها السياسية والأمنية، بل وذهبت إلى حد تبرير سياساتها العسكرية ضد الفلسطينيين، فى خطاب نادر داخل أمريكا اللاتينية التى عُرفت تاريخياً بتعاطفها مع القضية الفلسطينية. هذا الاصطفاف لم يكن معزولاً عن السياق، إذ يرى محللون أن العلاقة بين هذه النائبة وتل أبيب تأتى ضمن شبكة علاقات أوسع تربط اليمين اللاتينى الجديد باللوبيات المؤيدة لإسرائيل فى واشنطن. وهى علاقات تقوم على تبادل واضح للمصالح: دعم سياسى وإعلامى دولى لشخصيات معارضة مقابل إعادة توجيه السياسة الخارجية للدول المستهدفة نحو الاعتراف بإسرائيل، وقطع العلاقات مع فلسطين، وفتح الأبواب أمام التعاون الأمنى والاقتصادى معها.
من هذا المنظور، لا تبدو محاولات الدفع بهذه النائبة إلى واجهة المشهد السياسى الفنزويلى مسألة داخلية خالصة، بل جزء من هندسة خارجية للسلطة، تهدف إلى نقل فنزويلا من معسكر الدول الداعمة لفلسطين والمناهضة للهيمنة، إلى معسكر التطبيع السياسى والأمنى مع إسرائيل، بما يضمن إعادة توزيع الثروة النفطية والتحالفات الإقليمية وفق مصالح المركز الغربى والهيمنة الأمريكية الإسرائيلية على أراضى الثروات والموارد. إن أخطر ما فى «قانون البلطجة» هذا ليس فقط نتائجه المدمرة على الدول المستهدفة، بل تقويضه لفكرة النظام الدولى نفسها. فحين تُستبدل القوة بالقواعد، ويُستبدل منطق الغابة بالقانون، يصبح العالم ساحة مفتوحة لصراعات لا نهاية لها، ويدفع الضعفاء دائماً ثمن أطماع الأقوياء. فى النهاية لا يتعلق الأمر بفنزويلا وحدها، ولا بفلسطين فقط، بل بنموذج عالمى يُراد فرضه: نموذج تُدار فيه السياسة بعقلية العصابات، وتُختزل السيادة فيمن يملك العصا الأكبر. والتساؤل يبقى مفتوحاً: إلى متى يمكن لهذا النظام القائم على البلطجة أن يستمر دون أن يرتد على صُنّاعه أنفسهم؟ ومتى تستطيع الشعوب إسقاط رؤوس مثل هذه الأنظمة المجرمة؟