د. منجي علي بدر يكتب: الشراكة المصرية - الخليجية ركيزة التوازن لمواجهة التحديات

كتب: محرر

د. منجي علي بدر يكتب: الشراكة المصرية - الخليجية ركيزة التوازن لمواجهة التحديات

د. منجي علي بدر يكتب: الشراكة المصرية - الخليجية ركيزة التوازن لمواجهة التحديات

اكتسبت العلاقات المصرية - الخليجية، وعلي رأسها العلاقات مع المملكة العربية السعودية، أهمية استثنائية، في ظل التحولات العميقة التي يشهدها الشرق الأوسط والنظام الدولي، ومع تصاعد الصراعات الإقليمية واحتدام التنافس بين القوي الكبري وتنامي التحديات الاقتصادية العالمية برز هذا المحور كأحد أعمدة الاستقرار في الشرق الأوسط، ولم تعد هذه العلاقات قائمة فقط على الاعتبارات السياسية التقليدية، بل تطورت إلي شراكة استراتيجية شاملة تشمل الأمن والاقتصاد والطاقة والتنمية وإدارة الأزمات الإقليمية.

أولاً: الإطار الاستراتيجي والسياسي للعلاقات:

تنطلق العلاقات المصرية - الخليجية من إدراك مشترك بأن أمن واستقرار الدول العربية مترابطان، وأن انهيار الدولة الوطنية في أي ساحة عربية ينعكس مباشرة علي الأمن الإقليمي ، وتقوم مصر بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي والعسكري بدور ركيزة الاستقرار في المنطقة وشرق المتوسط والقرن الأفريقي ، بينما تُمثل السعودية ودول الخليج قوة اقتصادية ومالية مؤثرة في معادلات الإقليم. وقد تجلى هذا التنسيق بوضوح في الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى ، التي كان أبرزها زيارة وزير الخارجية السعودي إلي القاهرة، والتي عكست توافقاً سياسياً متقدّماً حول ملفات إقليمية شديدة التعقيد، وعلي رأسها غزة والسودان وسوريا والصومال وأمن البحر الأحمر.

ثانياً: العلاقات الاقتصادية والتجارية:

شهدت العلاقات الاقتصادية بين مصر ودول الخليج تطوراً ملحوظاً خلال عامي 2024 و2025 مدفوعة بإصلاحات اقتصادية مصرية ورغبة خليجية في تنويع الاستثمارات خارج نطاق النفط وتعزيز الأمن الغذائي والصناعي ، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والسعودية نحو 10.6 مليار دولار في عام 2024، مقارنة بنحو 8.2 مليار دولار في 2023، وخلال النصف الأول من 2025 سجل التبادل التجاري 5.9 مليار دولار، بما يشير إلى إمكانية تجاوز مستويات 2024 بنهاية العام.

كما بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والإمارات نحو 6.3 مليار دولار في 2024، مع قفزة كبيرة في الصادرات المصرية خلال 2025، خاصة في قطاعات مواد البناء والكيماويات والصناعات الغذائية.

وفي ما يخص الاستثمارات السعودية في مصر، فقد بلغت نحو 35 مليار دولار حتي نهاية 2024، موزّعة على قطاعات الطاقة والعقارات والصناعة والسياحة. كما عزّزت الاستثمارات الإماراتية موقعها كأكبر مستثمر عربي في مصر، بإجمالي استثمارات تجاوز 40 مليار دولار بنهاية 2024.

وعلي الجانب الآخر، بلغت تحويلات المصريين العاملين في دول الخليج 33 مليار دولار في 2024، منها قرابة 8 - 9 مليارات دولار من السعودية وحدها، واستمرت التحويلات خلال 2025 بمعدلات مستقرة، مما يعكس عمق الارتباط المجتمعي والاقتصادي بين مصر والخليج.

ثالثاً: التنسيق الإقليمي في إدارة الأزمات:

1 - غزة والعلاقة مع إسرائيل: اتسم الموقف المصري - الخليجي ، لاسيما السعودي ، بدرجة عالية من الاتساق تجاه مأساة قطاع غزة، من خلال: المطالبة بوقف فوري لإطلاق النار ورفض التهجير القسري للفلسطينيين ودعم المساعدات الإنسانية والوساطات السياسية، وتتعامل مصر والخليج مع إسرائيل ببراجماتية سياسية، ويظل هذا التعامل مشروطاً بضبط التصعيد وعدم المساس بالثوابت العربية.

2 - السودان وليبيا واليمن: يظهر التنسيق المصري - السعودي واضحاً في دعم وحدة الدولة الوطنية ورفض الحلول العسكرية والدفع نحو التسويات السياسية الشاملة، مع إدراك خطورة التدخّلات الخارجية علي استدامة الصراعات.

3 - الصومال وسوريا: في الصومال تعزّز التنسيق المصري - السعودي خلال 2024 - 2025 لدعم مؤسسات الصومال ومواجهة الإرهاب وتأمين الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، بما يحمي المصالح العربية المشتركة. أما في سوريا فيقوم التنسيق علي دعم مسار سياسي تدريجي يحافظ على وحدة الدولة ويخفّف المعاناة الإنسانية ويعيد سوريا تدريجياً إلى محيطها العربي مع تقليص حدة الاستقطاب الإقليمي .

رابعاً: العلاقات مع القوى الكبرى والبعد الدولي :

تعتمد مصر ودول الخليج سياسة تنويع الشراكات الدولية، حيث تحافظ علي الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة وتعميق التعاون الاقتصادي مع الصين وإدارة علاقات متوازنة مع روسيا، خاصة في ملفات الطاقة والغذاء.

وتفرض تطورات أسواق الطاقة العالمية، بما فيها أزمات مثل الوضع في فنزويلا تنسيقاً مصرياً - خليجياً لضمان استقرار الإمدادات وتخفيف الصدمات الاقتصادية العالمية.

خامساً: آفاق مستقبل العلاقات المصرية - الخليجية:

تشير المؤشرات الاستراتيجية إلى أن العلاقات المصرية - الخليجية مرشّحة لمزيد من التكامل الاقتصادي والاستثماري والتنسيق السياسي في إدارة الأزمات وبناء مقاربات عربية أكثر استقلالية في النظام الدولي .

هذا، وتُمثل العلاقات المصرية - الخليجية نموذجاً لشراكة عربية واقعية ومرنة قادرة علي الصمود أمام التحولات الدولية والقيام بدور محوري في تهدئة الأزمات الإقليمية، بما يُعزّز الاستقرار ويُؤسّس لمعادلة عربية أكثر توازناً في عالم لا يعترف إلا بالقوة.