دماء «لومومبا» ودموع «كوكا»

سمير عمر

سمير عمر

كاتب صحفي

أطلق الحكم المصري محمد معروف صافرة نهاية المباراة، معلناً فوز منتخب الجزائر على منتخب الكونغو، فانفجر المشجع الكونغولي الشهير «كوكا مبولادينجا» في البكاء حزناً على خروج فريقه من البطولة، لم يحن «كوكا» رأسه لكنه أخفى وجهه الباكي وهو يمسح دموعه بكفه اليمني التي كان يرفعها طوال مباريات فريقه في البطولة، متمثلاً وقفة الزعيم الكونغولي الخالد «باتريس لومومبا».

على الجانب الآخر وداخل المستطيل الأخضر، وقف لاعب المنتخب الجزائري «محمد عمورة» ساخراً من المشجع الكونغولي مقلداً إياه في وقفته وانهياره، لم يدرك «عمورة» ما ستجلبه سخريته من ردات فعل، وحين ثارت ثائرة كثيرين، من بينهم مشجعون جزائريون ضده، سارع بالاعتذار: «في تلك اللحظة لم أكن على علم بما تمثله تلك الشخصية أو الرمز الموجود في المدرجات، وكل ما أردته هو المزاح فقط، بروح طفولية وبريئة، ودون أي نية سيئة أو رغبة في استفزاز أي شخص، وإذا كان تصرفي قد أسيء فهمه، فأنا أعتذر عنه بصدق، لأنه لم يكن إطلاقاً قصدي».

معذور «عمورة» فهو وإن كان ينتمي للبلد الذي جسد بنضاله في مواجهة الاستعمار الفرنسي نموذجاً تحررياً فريداً، فقد ولِدَ عام ألفين، أي بعد مقتل لومومبا بنحو تسع وثلاثين سنة.

المفيد في هذه الواقعة أنها دفعت كثيرين ممن ينتمون لجيل «عمورة» إلي البحث عن اسم «لومومبا»، الزعيم الأفريقي المغدور، فقد سجلت محركات البحث المختلفة بعد الواقعة رغبة متزايدة لدى قطاعات واسعة من مستخدمي شبكة الإنترنت في معرفة من هو لومومبا ولماذا استلهم المشجع الكونغولي روحه النضالية في وقفته الشامخة في تشجيع منتخب بلاده.

«عبدالناصر» و«لومومبا»

في احتفالها بالذكري العشرين لانطلاقها، نظمت قناة «آر تي» بالعربي حفلاً كبيراً احتضنه مسرح البولشوي في قلب موسكو، كنت بصحبة عدد من الزملاء المصريين ضيوفاً على هذا الحفل، وفي الصالون الرئيسي وقبل انطلاق الحفل الذي حضره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وقف ثلاثة من أحفاد زعماء حركات التحرر في أفريقيا «عبدالناصر ونكروما ولومومبا» بين المدعوين، وكاميرات المصورين تتابع حركاتهم وهم يتلقون التحايا من حضور الحفل، حمل حضور أحفاد القادة الثلاثة الحفل رسالة اعتزاز روسي بالإرث السوفيتي في دعم حركات التحرر في القارة السمراء، ولم أخفِ مع الزملاء المصريين سعادتنا بوجودهم بل والتقطت والزميل نشأت الديهي صوراً للذكرى مع ثلاثتهم.

في موسكو واحدة من كبريات الجامعات تحمل اسم الزعيم الأفريقي باتريس لومومبا وهي «الجامعة الروسية لصداقة الشعوب» وقد احتفلت هذا العام بالذكرى المئوية لميلاد لومومبا.

وفي مصر يحمل أحد شوارع مدينة الإسكندرية اسم «باتريس لومومبا» وقد كان قبل إطلاق هذا الاسم علىه يعرف باسم «شارع بلجيكا»، حيث كانت توجد بالشارع قنصلية بلجيكا، الدولة التي كانت تحتل الكونغو والتي نفذت حكم الإعدام الوحشي بحق الزعيم «لومومبا».

وقصة «لومومبا» مع مصر قصة مهمة تستحق أن تروى ليعرفها أبناء جيل اللاعب الجزائري «عمورة» في مصر وخارجها.. في مايو 1960 أجريت انتخابات نيابية في الكونغو وحصل حزب الحركة الوطنية بقيادة «لومومبا» على نحو تسعين بالمائة من الأصوات، رغم أن عدد الأحزاب التي شاركت في الانتخابات بلغ نحو مائة حزب، فاضطرت بلجيكا إلى تكليف «لومومبا» بتشكيل الحكومة وإعلان استقلال الكونغو، وفي حفل إعلان استقلال البلاد ألقي ملك بلجيكا كلمة طالب فيه الوطنيين الكونغوليين بعدم التسرع في اتخاذ إجراءات غير مدروسة فيدمرون «المدنية التي أقامتها بلجيكا في البلاد»، فلم يكن من «لومومبا» إلا أن هب واقفاً ليلقي خطبة نارية في مواجهة الملك وما يمثله من استعلاء استعماري بغيض وبعدها أصدر «لومومبا» قرارات ضد الوجود الاستعماري في بلاده.

ساعتها قرر ملك بلجيكا وحلفاؤه في المخابرات المركزية الأمريكية التخلص من «لومومبا» بالتنسيق مع الرئيس الذي كان منصبه شرفياً، فيقرر عزل «لومومبا» من منصبه كرئيس للوزراء، ورغم رفض مجلس الشيوخ قرار العزل، واصل الرئيس وأعوان الاستعمار مؤامرتهم على الزعيم الشاب.

في هذه الأثناء كانت مصر بقيادة الزعيم جمال عبدالناصر سنداً لحركات التحرر في أفريقيا، فشاركت قوات الجمهورية العربية المتحدة بقيادة العقيد آنذاك «سعد الدين الشاذلي» في القوات التابعة للأمم المتحدة، وبعد أن شعر «لومومبا» بتضييق الخناق عليه، قرر أن يُخرج أسرته من البلاد حتى يتمكن من مواجهة المؤامرة دون خوف على مصير أبنائه، فكان طلبه من «مصر - عبدالناصر» أن يوفر ملاذاً آمناً لأسرته، فصدرت أوامر الرئيس جمال عبدالناصر بتنفيذ عملية إجلاء أسرة الزعيم الشاب من الكونغو، وبمنتهى الدقة والسرعة جهز «الشاذلي» فرقتين من الصاعقة المصرية ووضعهما في المطار باعتبارهما من قوات الأمم المتحدة التي تشارك فيها مصر، وأعطى «الشاذلي» أوامره بأن يهربوا عن طريق المطار، الذي كان خاضعاً لسيطرة الأمم المتحدة وقوات «موبوتو» الموالية لبلجيكا والمخابرات الأمريكية، مهما تكلف الأمر.

وقد نجحت عملية تهريب العائلة، وفي مطار القاهرة نزل أبناء لومومبا الثلاثة، «فرانسوا» و«باتريس» و«جوليانا»، وبقيت الأم إلى جوار الوالد، بالإضافة إلى ابن رابع هو «رولا» وكان عمره عامين، وبعد مرور سنة تقريباً جاءت الأم ومعها رولا إلى القاهرة، وقد استقبل الزعيم جمال عبدالناصر أسرة الزعيم المغدور وأمر لهم بمنزل للإقامة والتحق أبناؤه بالمدارس المصرية، وكان يعاملهم كأبنائه، أما «لومومبا» فقد ألقي القبض عليه هو ورفيقيه وصدر حكم غادر بإعدامهم، لكن وبعد تنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص، صدرت الأوامر باستخراج الجثامين وتمت إذابتها، فلم يبق من لومومبا سوى «ضرسين» احتفظ بهما الضابط المشرف على عملية إذابة الجثامين.

رحل لومومبا الزعيم الأفريقي الشاب وبقيت سيرته حاضرة في ذاكرة المناضلين في مختلف أنحاء العالم وقد سجل الشاعر المصري الكبير أحمد عبدالمعطي جانباً من ملحمة نضال لومومبا في قصيدة حملت عنوان «دماء لومومبا».

يقول فيها:

ماذا تبقى بعد «لومومبا» لشاعر ضرير

يجول في الأرض الفضاء

بالأمس ضاع منه مفتاح السماء

وفر منه الحب، فر الأصدقاء

وكان لومومبا صديقه الأخير

يدعو له بالكبرياء

والصمت أجدى حينما نهتز من أعماقنا

وروح لومومبا على المرآة خيط من دماء

المصادر

- ديوان «لم يبق إلا الاعتراف» أحمد عبدالمعطي حجازي

- حوار تليفزيوني: الفريق سعد الدين الشاذلي

- «حكاية شارع» - موقع الجهاز القومي للتنسيق الحضاري