5 تخفيضات لـ«المركزي» تضخ مزيدا من السيولة في قنوات الاستثمار المباشر والتصنيع
5 تخفيضات لـ«المركزي» تضخ مزيدا من السيولة في قنوات الاستثمار المباشر والتصنيع
يواصل البنك المركزي تنفيذ سياسة نقدية تيسيرية، الهدف منها زيادة النشاط الاقتصادي وضخ مزيد من السيولة في قنوات الاستثمار المباشر والتصنيع، تماشياً مع الأهداف الحالية للدولة المصرية من توطين للصناعات وجذب استثمارات مباشرة بمختلف القطاعات.
وفي الوقت نفسه مواصلة السيطرة على مستويات التضخم وتحقيق المستهدف عند 7% +/-2% بنهاية 2026، ووفقاً للتقارير الدورية الصادرة عن «المركزي» بشأن السياسة النقدية لعام 2025، فإن الهدف الأساسي من الخفض التدريجي للفائدة هو كبح جماح التضخم ودعم استقرار الأسعار.
وتحاول السياسة النقدية تكييف أدواتها مع واقع الاقتصاد، وهو ما انعكس بوضوح على مدار 8 اجتماعات سابقة تخللت عام 2025 من خفض تدريجي للفائدة، دون أن يمس هذا التخفيض الهدف الرئيسي للمركزي وهو السيطرة على مستويات التضخم في البلاد.
ووفقاً لجدول اجتماعات لجنة السياسة النقدية للبنك المركزي لعام 2025، والتي تنعقد بشكل دوري على مدار العام بمعدل مرة كل 6 أسابيع، أي ثمانية اجتماعات خلال العام الواحد، تقرر خفض الفائدة خلال 5 اجتماعات بإجمالي 725 نقطة، في إطار تدابير وإجراءات عدة يتخذها «المركزي» عند تخفيض الفائدة، للتحوط من أي زيادة محتملة للأسعار أو موجة تضخمية قد يواجهها الاقتصاد، خاصة في ظل ظروف اقتصادية غير مواتية عالمياً، وتقلبات بأسعار الطاقة ناجمة عن التوترات الإقليمية التي مرت بها المنطقة على مدار الأشهر الماضية.
وبدأ «المركزي» تنفيذ سياسة نقدية أكثر تيسيراً في اجتماعه الثاني من عام 2025، وتحديداً مساء الخميس 17 أبريل الماضي، عندما أعلن خفض أسعار الفائدة بواقع 225 نقطة أساس دفعة واحدة على سعري الإيداع والإقراض، لأول مرة منذ ما يقرب من 5 سنوات في نوفمبر 2020، ووقتها اتخذت لجنة السياسة النقدية قرارها في ضوء العديد من المؤشرات الإيجابية للاقتصاد، وأبرزها تعافي النشاط الاقتصادي بعد أن تجاوز معدل النمو للربع الأخير من 2024 نحو 4.3%، بجانب تراجع ملحوظ في معدل التضخم ليسجل أدنى مستوياته خلال 3 سنوات.
وواصل «المركزي» تخفيض الفائدة على الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي بواقع 100 نقطة أساس خلال اجتماعه الثالث لعام 2025، وتحديداً في الـ22 من مايو الماضي، لتصل الفائدة على الإيداع والإقراض وسعر العملية الرئيسية للمركزي لمستويات 24 و25 و24.5% بالترتيب، بعد إجراء خفضين متتاليين، فيما أن الخفض الثاني جاء بوتيرة أقل من الأول بسبب الظروف العالمية المحيطة غير المواتية، وتفاقم التوترات الجيوسياسية والتخوف من اضطرابات السياسات التجارية العالمية التي تزامنت مع توقيت الاجتماع.
فيما عزز مواصلة التيسير الكمي عدة عوامل، أبرزها تحسن الأوضاع الاقتصادية الداخلية لتظهر المؤشرات الأولية للربع الأول من 2025 مواصلة النشاط الاقتصادي التعافي، وسط توقعات بنمو إجمالي الناتج المحلي بنسبة 5%، ما يشير إلى الانعكاس الإيجابي لخفض الفائدة على النشاط الاقتصادي، خاصةً الناتج المحلي الحقيقي لا يزال أقل من طاقته القصوى ما يهدئ المخاوف المتعلقة بالضغوط التضخمية لجانب الطلب، ناهيك عن تراجع معدلات البطالة لتسجل 6.3% بنهاية الربع الأول من العام الحالي.
ورغم التحسن الظاهر في مؤشرات الاقتصاد الكلي للبلاد، خاصة مع انحسار معدلات التضخم، إلا أن «المركزي» فضل التريث قليلاً وتثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماعه في 10 يوليو الماضي ليبقى عليها كما هي، وليحقق بهذا القرار التوازن بين تحوطه من مخاطر التضخم والأوضاع العالمية غير المستقرة وتأثيراتها المحتملة، والمضي قدماً في تخفيضه الفائدة والذي استأنفه في 28 أغسطس 2025 بخفض 200 نقطة أساس، تبعه تخفيض إضافي بمقدار 100 نقطة في اجتماعه السادس من العام في شهر أكتوبر الماضي، ثم عاود تثبيت الفائدة في اجتماعه يوم 20 نوفمبر الماضي، أما في آخر اجتماعاته للعام تقرر خفض الفائدة 100 نقطة ليصبح إجمالي ما خفضه على مدار 8 اجتماعات انعقدت على مدار عام كامل 725 نقطة.
في هذا السياق، قال الدكتور أحمد شوقي، الخبير المصرفي، لـ«الوطن» إن تخفيض «المركزي» لأسعار الفائدة على الإيداع والإقراض له تأثير إيجابي مباشر ومستمر على الاقتصاد ككل، خاصةً الدين الداخلي الذي تنخفض أعباؤه بما يتراوح بين 75 و80 مليار جنيه بالموازنة العامة للدولة لكل 100 نقطة أساس.
وأضاف «شوقي» أن تخفيض أسعار الفائدة من شأنه أن يساعد الشركات العاملة بالسوق المحلية على التوسع في أنشطتها القائمة، وذلك بخفض تكلفة الاقتراض والتمويل المصرفي، ما سينعكس تباعاً بالإيجاب على أرباحها وتحديداً زيادة هامش الربح، ما سينتهي بنا لخفض أسعار السلع والمنتجات لهذه الشركات، التي ستعيد النظر في أسعار منتجاتها في ضوء ما حققته من هامش أرباح.
واستطرد الخبير المصرفي: «وعلى مستوى المقترضين الأفراد سيشجع تخفيض الفائدة الكثيرين على الحصول على تمويلات من البنوك، وبالتالي تنشيط محافظ قروض التجزئة، بل وستظل محافظ الودائع تسجل نمواً في ظل أسعار الفائدة الحالية التي لا تزال جاذبة ومغرية، لأن مستوى الفائدة الحقيقي حالياً أعلى من التضخم بنحو 8%».
توقع «شوقي» أن يستمر «المركزي» في سياسته التيسيرية وسط مواصلة التضخم الانحسار، قائلاً: «لا يزال أمامه خفض تدريجي للفائدة على مدار العام القادم بما يتراوح بين 7 و8%، مع مراعاة أن المستهدف للتضخم هو الوصول لرقم أحادي بنهاية 2026، ومعدل التضخم حالياً أدنى من 12%»، مختتماً تصريحاته: «تخفيض الفائدة يمكن الدولة من تحقيق معدلات النمو المستهدفة بخططها المستقبلية».
وبدوره، قال عبدالحميد إمام، الخبير الاقتصادي والمصرفي، إن تخفيض الفائدة جيد، والطبيعي لأي اقتصاد هو انخفاض سعر الفائدة وليس العكس، والسبب أن مقومات أي نشاط اقتصادي أن يكون قائماً على الإنتاج والتشغيل وتوسع الشركات والمنشآت العاملة داخله.
أوضح «إمام» أن خفض الفائدة من شأنه تقليل تكاليف خدمة الدين ما يتيح للدولة التصرف في قدر كبير من إيراداتها بدلاً من توجيهها لسداد التزاماتها، مؤكداً أن «المركزي» يسير في الاتجاه الصحيح بالخفض المتوالي للفائدة ومواصلة التيسير الكمي.
وتوقع «إمام» أن عام 2026 سيشهد خفضاً كبيراً للفائدة البنكية، وكذلك الأمر بالنسبة للفائدة على الأذون والسندات المتوقع تخفيض فوائدها على المدى المتوسط، أي خلال 3 سنوات، لتصل إلى 12% بدلاً من 27% في الوقت الحالي، ما سيخفف أعباء الدولة والضغط على الموازنة العامة.
تابع: «أسعار الوحدات السكنية والسيارات ستنخفض وسيزداد الطلب الكلي بمزيد من تخفيض أسعار الفائدة، والتيسير الكمي هو أمر إيجابي لكل القطاعات، وحتى القطاع المصرفي الذي حقق أرباحاً طائلة من رفع الفائدة على مدار العامين الماضيين قادر على تعويض هامش الربح المرتفع في ظل خفض الفائدة، بقيامه بدوره الرئيسي المنوط به وهو دوره التمويلي وضخ سيولة في عصب الاقتصاد وزيادة حجم النشاط الاقتصادي لجميع القطاعات الإنتاجية، ما سينشط بدوره محافظ الائتمان ويعوض ربحيته من فوائد تمويل المشروعات الكبرى».