يسرا زهران تكتب: أحلام أوروبا في العام الجديد: مستقبل العالم بعد استقالة «بوتين» (الحلقة الأولى)
يسرا زهران تكتب: أحلام أوروبا في العام الجديد: مستقبل العالم بعد استقالة «بوتين» (الحلقة الأولى)
هى رؤية استراتيجية أوروبية، قائمة على التحليلات وترتيب الأحداث ومحاولة استشراف المستقبل. لكنها تبدو أيضاً، فى أجزاء منها، أقرب إلى أحلام اليقظة، القائمة على التمنى، بأكثر مما يحدث فى الواقع على الأرض.
باختصار شديد، «تحلم» أوروبا بعالم دون الرئيس الروسى «فلاديمير بوتين»!.
لم تقدر القارة العجوز على إزاحة الرئيس الروسى، ضابط المخابرات الأسبق، ذى الخبرة العسكرية والصلابة السياسية، صاحب الضربات المتوالية ضد ما يراه هيمنة من الغرب أو محاولة لإبقاء نظام وسيطرة قوة عظمى واحدة على عالم يتجه بوتيرة متزايدة وبلا كلل للتحول إلى ساحة متعددة الأقطاب. ظلت أوروبا تلقى برهاناتها المتنوعة (والخاسرة كلها) على سقوط «بوتين» بعد اندلاع الحرب مع أوكرانيا. مرة تقول إنه سيسقط حتماً مع تزايد المعارضة الداخلية ضده بسبب الخسائر الروسية فى الحرب الأوكرانية، ومرة تقول إنه سينهار مع التدهور الاقتصادى الذى سيصيب روسيا مع طول أمد الحرب، ومرة تقول إنه سيفقد تحالفاته الدولية وينقلب أصدقاؤه، مثل الصين والهند، إلى منافسين، وربما حتى إلى أعداء يقصفون عمر وجوده السياسى.
ولم يسقط «بوتين»، ولم تنتصر أوكرانيا على الرغم من الدعم الأمريكى والأوروبى الهائل المقدَّم لها. ما حدث هو أن أوروبا انقسمت على نفسها، بين فريق يرى ضرورة وأهمية أن تظل أوروبا صامدة، تحشد إمكانياتها كلها لصد النفوذ الروسى الذى يعيد إليها ذكريات المد السوفيتى والشيوعى فيما مضى، وفريق آخر يلقى باللعنات على أصحاب القرار الذين أهدروا المليارات لإطالة أمد حرب قضت على حياة آلاف البشر بلا جدوى، وبلا تغيير للنتيجة التى صار الكل يراها بوضوح: وهى أن روسيا قد انتصرت فى هذه الحرب، وأن الإعلان النهائى عن ذلك الانتصار مجرد مسألة وقت.
خبير ألمانى يتنبأ برئيس روسى جديد يختاره «بوتين» بنفسه لإذابة الجليد فى العلاقات مع أوروبا
كانت هذه هى النتيجة التى لم تتردد أصوات أوروبية عديدة فى إعلانها، على الرغم من مكابرة أصوات أخرى تصر على أن نتيجة المواجهة لم تُحسم بعد، وأن الكرة ما زالت فى ملعب أوروبا لو نجحت فى إقناع الولايات المتحدة بتقديم مزيد من الدعم الدفاعى لها ولحلف شمال الأطلسى «الناتو»، حتى تصل المواجهة مع روسيا إلى أشواطها الإضافية بشكل يقلب النتيجة ضدها، أو يحسم مفاوضات وقف إطلاق النار التى تجرى حالياً بين الجانبين الروسى والأوكرانى بما يصب أكثر فى صالح أوكرانيا. إلا الخبير الأمنى الألمانى «كارلو ماسالا»، أستاذ السياسات الدولية فى جامعة «ميونيخ» التابعة للقوات المسلحة الألمانية (البوندسفير)، لم يضيع الوقت فى مزيد من الرهانات، وبدأ ينظر إلى المستقبل، ويحاول أن يرسم صورة لما يمكن أن يحدث فيه، بناءً على أن روسيا قد حققت أغراضها فى الحرب الأوكرانية بالفعل.

منذ شهر أغسطس الماضى، وقبل حتى أن يتم الإعلان عن محادثات السلام التى تتم برعاية أمريكية بين روسيا وأوكرانيا، ببنود تحفظ لـ«موسكو» ما ضمته إليها من أراضٍ أوكرانية وتكاد تكون استسلاماً علنياً لمطالب الرئيس الروسى، أعلن «ماسالا»، الذى شغل من قبل منصب مدير مركز الدراسات الأمنية والاستخباراتية فى الجامعة الفيدرالية للقوات المسلحة فى «ميونيخ» الألمانية، ومن قبله منصب نائب مدير قسم الأبحاث فى كلية الدفاع التابعة لحلف شمال الأطلسى فى العاصمة الإيطالية «روما»، أن الحرب الأوكرانية قد وضعت أوزارها، وأن الرئيس الروسى قد حقق ما يريده منها بالفعل. ومن هنا جاء عنوان كتابه الذى صدر مؤخراً حاملاً عنوان «لو انتصرت روسيا»، وبين صفحات الكتاب، جاء سيناريو متخيل لمستقبل قائم على واقع انتصرت فيه روسيا بالفعل على أوكرانيا وأوروبا، وفرضت واقعاً تتعامل معه الولايات المتحدة أمامها معاملة الند للند.
الكتاب حقق مبيعات هائلة قفزت به إلى مصاف أكثر الكتب مبيعاً منذ صدوره فى ألمانيا، ثم فى باقى الأسواق الأوروبية من بعدها. وحظى باهتمام واسع من كبريات الصحف العالمية. قال فيه «ماسالا» إنه قد رسم سيناريو متخيلاً بناءً على جمع المعلومات، والدراسات الأكاديمية، والعديد من اللقاءات والمناقشات التى أجراها مع خبراء من داخل الحكومات والقوات المسلحة الأوروبية، وكلها تهدف لفهم تداعيات وتأثير الانتصار الروسى فى أوكرانيا على تطوير السياسات الأمنية والدفاعية لأوروبا فى المستقبل.

يصف «ماسالا» أهمية رسم هذه السيناريوهات الدفاعية المتخيلة، مثل السيناريو الذى بنى عليه كتابه قائلاً: «إنه فى مجال التخطيط السياسى والعسكرى، فإن طريقة التفكير الاستراتيجى التى ترسم سيناريوهات لما يمكن أن يحدث فى المستقبل هى محاولة لتوقع شكل ومسار التطورات المستقبلية بناء على الاتجاهات والأحداث الحالية. هذا الأمر يفتح آفاق الاحتمالات أمام عقولنا، ولا يرضى بقصر النظر السياسى ولا بالكسل الفكرى. إن المستقبل مفتوح على الدوام، ولا أحد يمكنه أن يتوقع على وجه اليقين كل العوامل والتفاعلات التى يمكن أن تحدده. بالتالى فإن السيناريو المرسوم فى الكتاب هو مجرد احتمال ضمن احتمالات كثيرة للصورة التى قد تتطور بها الأحداث. لو لم تكن هذه الصورة تعجبنا، فعلينا أن ندرس كيف يمكننا أن نتلافى وقوعها».
من هنا بدأ «ماسالا» انطلاقه نحو المستقبل من تصور لا يبتعد كثيراً عما يجرى على أرض الواقع، ربما باختلاف أسماء بعض الأماكن ومواقع الأحداث. البداية فيه من اجتماع بين وفدَى المفاوضات الروسى والأوكرانى فى «جنيف» السويسرية تحت رعاية الولايات المتحدة والصين، لتوقيع معاهدة تتضمن بنودها تسليم ما يقرب من ٢٠٪ من الأراضى الأوكرانية لـ«موسكو» بعد أن صارت «كييف» عاجزة، سواء من حيث العتاد أو الرجال، عن الدفاع عنها. لم تنجح كل محاولات الرئيس الأوكرانى فى إقناع أوروبا والولايات المتحدة باستمرار تقديم الدعم العسكرى والمادى له، وتخيل «ماسالا» أن الرئيس الأمريكى سيقول فى لحظة ما للرئيس الأوكرانى إنه لا يمكنه أن يواصل تقديم مبررات للشعب الأمريكى لحجم الإنفاق العسكرى الذى تقدمه الولايات المتحدة لأوكرانيا رغم عدم تحقيقها أى انتصارات فعلية على الأرض، وأنه لو كان قد وجّه هذه المبالغ الطائلة لشراء جزيرة «جرينلاند» (التى تثير اهتمامه بسبب موقعها الحيوى وغناها بالثروات الطبيعية) لكان توظيفاً أفضل لهذا الإنفاق. ويضيف أن روسيا قد فقدت الكثير من قوتها فى هذه المواجهة، وأن على من يريد الاستمرار فى هذه الحرب من الأطراف الأوروبية أن يقوم بالإنفاق على نفسه. ويحسم الرئيس الأمريكى الأمر قائلاً لنظرائه الأوروبيين: «أنا لا أعقد صفقات فاشلة».
أوروبا من جانبها، بالإضافة لقلقها من تقليل الدعم الأمريكى العسكرى والمادى لحلف الناتو، صارت تعانى من تقلبات المزاج العام الداخلى فيها. الشعوب الأوروبية صارت تميل إلى إعطاء روسيا ما تريد من أجل إنهاء الحرب. وصار ضغط تدفق اللاجئين الأوكرانيين إلى العواصم الأوروبية عبئاً لا يستطيع معظمها تحمله. أحزاب اليمين المتطرف والأجنحة اليسارية ذات التوجه الشعبوى صارت تكتسب أرضية متزايدة كل يوم بين الناخبين الأوروبيين بسبب هجومها على الدعم المقدم من حكوماتهم لأوكرانيا. وهكذا ينتهى الأمر بأوكرانيا وهى توقع على اتفاقية سلام أقرب للخضوع أو الاستسلام، تتخلى فيها عن الأراضى التى وضعت روسيا يدها عليها، وعن طموحها بالانضمام إلى حلف «الناتو»، ولا تنال أى مكاسب أكثر من برنامج لإعادة الإعمار بتمويل من البنك الدولى، يذهب جزء منه أيضاً للأراضى الأوكرانية التى ضمتها روسيا إليها.
أما فى روسيا، فإن وسائل الإعلام والأصوات الروسية تحتفى بالأمر على ما هو عليه: انتصار لروسيا. البرامج التليفزيونية تصف فشل «الناتو» فى دعم أوكرانيا بأنه بداية لعودة النفوذ والعظمة الروسية من جديد على ساحة السياسة الدولية، وأن أحداً لا ينبغى عليه أن يتخيل أن روسيا سوف تكتفى بما حققته بالفعل. وتبدأ نبرة معينة فى التعالى عبر كل وسائل الإعلام الروسية. تؤكد طموح «موسكو» فى أن تضم إليها من جديد كل المناطق التى تتحدث باللغة الروسية، أو تضم مواطنين روسيين فى دائرة النفوذ السوفيتى السابق، وأن هذا الحلم بالكاد قد بدأ فى خطواته الأولى بالانتصار على أوكرانيا.
حتى هذه النقطة، كانت أقدام «ماسالا» وهو يرسم سيناريو كتابه ثابتة على الأرض، لكنه انطلق بعدها إلى عالم الأحلام الأوروبية بدون مقدمات، متخيلاً أن الرئيس الروسى «فلاديمير بوتين» سوف يقدم استقالته!
لماذا؟ ما الداعى أو ما السبب؟ ما الذى يمكن أن يدفع الرئيس الروسى فى سيناريو الخبير العسكرى الألمانى لتقديم استقالته من منصبه وهو فى أوج انتصاره على أوروبا، وفى خضم مرحلة ما بعد الحرب التى لا تخلو من تحديات، مع وجود العديد من الخطط التى يحتشد بها ذهنه دون أن تفصح عنها ملامحه الجامدة التى أجهدت العالم فى محاولة سبر أغوارها؟. لا يقدم «ماسالا» إجابات واضحة عن الأسئلة السابقة. هو فقط يتخيل أن الطريقة الوحيدة التى يمكن ألا يوجد بها «بوتين» فى موقع سلطة هو أن يتخلى هو بنفسه، وبكامل إرادته، ولأسباب تخصه، عن الرئاسة الروسية، لا بسبب هزيمة عسكرية ولا ضغوط خارجية أو سخط داخلى. أن يقرر «بوتين» بنفسه أن يتنحى عن الحكم هو الوسيلة الوحيدة لابتعاده عن المشهد.
لا أحد يقدر على «بوتين» إلا «بوتين»!
هذا هو الحل الذى اهتدى إليه الخبير العسكرى الألمانى بعد فشل كل الحلول والرهانات الأخرى على سقوط الرئيس الروسى، والحلم الذى صار يراود أوروبا بعد استشعارها بتزايد ضعفها أمام تزايد النفوذ الروسى الذى يقابله انسحاب تدريجى لدعم الحليف الأمريكى لها.
ما يحدث فى السيناريو الألمانى هو أن «بوتين» يعلن استقالته على الهواء مباشرة. بدون مقدمات، بعد أن ظن الكل من حوله أنه سيظل «رئيساً أبدياً» لروسيا، يمسك بمقاليد الحكم ولا يجرؤ أحد على الوقوف أمامه. يستقيل «بوتين»، لكن بعد أن يعلن أمام العالم أن روسيا قد انتصرت بالفعل فى حربها ضد أوكرانيا، وأنها قد قطعت شوطاً كبيراً فى طريقها للعودة إلى كونها قوة عظمى من جديد. والأهم، أنها أظهرت للجميع أنه حتى أكبر تحالف عسكرى هجومى، وهو حلف «الناتو» لا يقدر على هزيمة روسيا أو إجبارها على الركوع.
حان الوقت الآن إذن، كما يقول «بوتين»، فى السيناريو الألمانى المتخيل، «لتسليم الراية لشخص آخر حتى يُكمل مهمة روسيا التاريخية. وبالطبع، فإن أحداً لا يصدق أن «بوتين» من نوعية الأشخاص الذين يمكن أن يتقاعدوا حتى لو كانوا قد انسحبوا من دائرة الضوء، بل الأرجح أنه سيواصل العمل من وراء الستار فى دوره الجديد بعد ترك الرئاسة الروسية، الذى يقترح السيناريو الألمانى أنه سيكون كرئيس لمؤسسة سماها «روسيا الجديدة» لم يحدد مهامها ولا حدود نفوذها بالضبط.
لكن من الذى يمكنه أن يحكم روسيا من بعد «بوتين»؟
الخبير الألمانى اخترع شخصية أطلق عليها اسم «أوليج أوبمانشيكوف»، هو الذى سيختاره «بوتين» بنفسه لخلافته فى الرئاسة. تخيله من خارج دائرة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والعسكرية الروسية، بعيداً تماماً عن دائرة الوجوه المألوفة والموثوق فيها، والتى كانت تحيط بـ«بوتين» خلال فترة الحرب الأوكرانية.
«أوبمانشيكوف» هذا (لاحظ تشابه حروف اسم الرئيس الروسى المتخيل مع اسم الرئيس الأمريكى الأسبق «باراك أوباما» الذى تصور البعض أنه جاء لإصلاح ما أفسده سلفه «جورج بوش الابن» بعد حربَى العراق وأفغانستان) هو خبير اقتصادى لا يتجاوز السابعة والأربعين من العمر، يحظى بدعم الرئيس الروسى الحديدى الذى يضمن موافقة الأحزاب الروسية الكبرى كلها، قبل أن يوافق مجلس الشعب الروسى (الدوما) على ترشيحه.
كثيرة هى الأسباب التى «تتمنى» أوروبا أن تدفع «بوتين» للاستقالة فى عالم الواقع: أن تجبره دائرة المحيطين به والمقربين منه على التنحى بسبب الخسائر الاقتصادية والبشرية الفادحة التى تكبّدتها روسيا من جراء الحرب الأوكرانية. أو أن تتدهور صحته بحيث يصبح غير قادر على الاستمرار فى إدارة البلاد فيسلم مقاليد الحكم لشخص آخر. السيناريو الألمانى يقترح حتى أن تكون هذه الاستقالة مجرد مناورة من «بوتين»، رجل المخابرات السوفيتية الأسبق ذى الدهاء المعروف، يقدم فيها للمراقبين الأجانب، ولأبناء شعبه أنفسهم، وجهاً جديداً لقائد شاب، يبدو متحمساً للإصلاح، حتى يتم رفع العقوبات الأوروبية المفروضة على روسيا، بينما يظل «بوتين» نفسه يحرك الخيوط من وراء الستار بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والعسكرية الروسية كما كان الحال دائماً.
هذا الرئيس الخيالى الجديد الذى يأتى من بعد «بوتين» فى السيناريو الألمانى، يأتى من بين صفوف القطاع المصرفى الروسى (وليس من الأجهزة الأمنية). درس فى بريطانيا وعمل لفترة فى إحدى المؤسسات المالية فى «دبى». من النظرة الأولى يبدو أنه على طرف نقيض من «بوتين» أو وزير الخارجية الروسى العتيد «سيرجى لافروف»: شاب ملىء بالحيوية، يشع بالجاذبية والكاريزما، ويبدو مواطناً عالمياً منفتحاً على جميع الأطراف، وليس منغلقاً على أمجاد الماضى، وهو الاتهام الذى كان يُوجَّه لمن سبقوه.
لكنه فى خطابه الأول أمام العالم يبدأ بإعلان تمسكه بضم المناطق التى سيطرت عليها روسيا فى أوكرانيا، بالإضافة إلى القرم، فى إشارة لنواياه بالحفاظ على مكتسبات مرحلة «بوتين» وعدم التفريط فى الأمجاد الروسية الجديدة. إلا أنه يرسل أيضاً إشارات بأنه راغب فى فتح حوار مع أوكرانيا حول تطبيع العلاقات، ثم يُلقى مفاجأة أخرى للعالم معلناً استعداد روسيا لتأكيد اتفاقيات الحد من التسليح النووى، فى رسالة طمأنة واضحة للجميع تختلف حتماً عن تلويح سلفه المستمر باللجوء للخيار النووى لو لم تسر الأمور وفق إرادته، على نحو أصاب أعصاب أوروبا بالانهيار.
الحركة الافتتاحية الأولى للرئيس الروسى الجديد إذن تصيب أوروبا بالدهشة الممتزجة بالأمل. البعض حتى لا يستبعد أن يكون الرئيس الروسى الشاب الذى جاء من بعد «بوتين» رجلاً ذا تجربة سياسية محدودة، يعيد إلى الأذهان نموذجاً آخر، هو «ميخائيل جورباتشوف»، آخر رئيس للاتحاد السوفيتى الذى تولى مهمة «تفكيكه» بزعم «إصلاحه»، ويتساءل أصحاب النظرة المتفائلة فى أوروبا: ما الذى يمنع أن يعيد التاريخ نفسه من جديد، ويمنح أوروبا أملاً جديداً مشرقاً بعد فترة روسية حالكة الظلام؟
لكن أصحاب الشكوك وانعدام الثقة إزاء كل ما هو روسى بين الأوروبيين ما زالوا حاضرين وبقوة فى المشهد. هؤلاء هم الذين يتساءلون فى سيناريو «ماسالا» عما إذا كان من الممكن أن تثق أوروبا فى الرئيس الروسى الجديد، أم أنه يُظهر عكس ما يُبطن؟ هل يكون فى واقع الأمر مجرد ألعوبة فى يد الأجهزة الأمنية والعسكرية تتصرف فيه وتلعب به كيفما تشاء؟. لا أحد، ولا حتى الأجهزة الاستخباراتية المختلفة فى الولايات المتحدة ولا فى كل العواصم الأوروبية يمكنها أن تجد إجابة عن هذه التساؤلات (فى إشارة واضحة من الخبير العسكرى الألمانى لمدى صعوبة اختراق جدار السرية الذى ما زال يحيط بالأجهزة الأمنية فى «موسكو»).
إلا أن هناك عاملاً نفسياً يلعب دوره فى تقبل أوروبا للرئيس الجديد: الأمل فى أن ينتهى ذلك «العصر الجليدى» الذى ظل يحكم العلاقات الروسية الأوروبية منذ ما قبل الحرب الأوكرانية، والخوف الذى يستنزف أوروبا من اشتعال نيران حرب باردة جديدة تستنزف ما تبقى من مواردها لأمد لا نهاية له. هنا، تبدأ أوروبا والعالم من بعدها فى إرسال المندوبين والوفود والبعثات الدبلوماسية للقاء الرئيس الروسى الجديد الذى يلوح بحلم إعادة تطبيع العلاقات مع أوروبا مقابل رفع ما تبقى من عقوبات على روسيا.

وتأتى نتيجة تلك اللقاءات والزيارات، المعلنة وغير المعلنة، مع الرئيس الروسى الجديد أو مع دائرة مستشاريه والمقربين منه كما يتصورها سيناريو «ماسالا»، حاملة فى معظمها رسالة تكاد تكون واحدة للقيادات والرؤساء فى الدول الأوروبية المختلفة: «ما زال الأمر مبكراً حتى نحكم على الرئيس الروسى الجديد بشكل قاطع، أو أن نعرف من الذى يدفعه ويقف فعلياً وراءه. لكن الرجل نفسه يظهر بوضوح أنه قائد ذو توجهات إصلاحية، يتمتع بالكاريزما والجاذبية والذكاء، ويُظهر بوضوح رغبته فى تغيير الحال إلى ما هو أفضل، ولا يتردد فى إعلان ذلك عند اللقاء معه بشكل شخصى».
وعلى طريقة كل الرؤساء «الإصلاحيين» الذين يأتون عادة بعد فترة من الحدة السياسية والنبرة القومية لمن سبقوهم، يبدأ «أوبمانشيكوف» فى إجراء سلسلة من اللقاءات مع عدد من وسائل الإعلام العالمية البارزة، يقدم فيها نفسه، ويتحدث فيها عن رؤيته «الإصلاحية» لمستقبل بلاده. الأمر الذى يعيد إحياء الآمال فى صدر أوروبا من جديد، بأنه ربما صار هناك الآن فى روسيا «جورباتشوف» جديد، هدفه إعادة العلاقات الدولية الروسية إلى طبيعتها، وأن يُخرج بلاده من ماضيها «المظلم» من وجهة النظر الأوروبية إلى مستقبل جديد، ديمقراطى ومشرق بالأمل مثل صاحبه.
هذا هو ما تحلم به أوروبا، وما تتمنى أن يكون عليه خليفة «بوتين»: ألعوبة فى يدها إن لم يكن ألعوبة فى يد الأجهزة الأمنية والعسكرية الروسية، ورئيس يسعى لإصلاح على الطريقة الأوروبية، يُترجَم فى اللغة الروسية إلى تفكك وانهيار. هو حلم يفترض فى «بوتين» سذاجة لا توجد فيه، تجعله يختار خليفة يقضى على حلمه بتوسيع النفوذ الروسى بدلاً من أن يدعمه، ويفترض فى خليفة «بوتين» نفسه بلاهة ما، تجعله لا يستفيد من أخطاء الماضى التى ارتكبها «جورباتشوف»، وينجح بنفس تلك البلاهة فيما فشلت فيه أوروبا، بالقضاء على الانتصارات التى حققها «بوتين» لإعادة قوة ومكانة روسيا إلى ما كانت عليه. لذلك، وبمجرد أن يتقدم «ماسالا» بضع صفحات فى سيناريو كتابه المتخيل، نجد أن كل هذه الافتراضات الأوروبية هى أبعد ما يكون عن الحقيقة. وأن كلاً من «بوتين» والرئيس الذى اختاره بنفسه من بعده، كلاهما يعرف جيداً ما الذى يفعله، ولا يكشف أوراقه أمام العالم، أو يظهر للعالم ما يفكر فيه أو ينوى عليه.
لكن هدفهما سيكون فى نهاية الأمر واحداً، كل على طريقته، وجهان لعملة واحدة، قد تتقلب عدة مرات فى الهواء لكنها تسقط دائماً على الوجه الذى يشير للتفوق الروسى فى المواجهة مع الغرب على الدوام.
كل ما فى الأمر هو أن المناورة الروسية القادمة أمام أوروبا ستكون أكثر تعقيداً وتشابكاً مما يظنه الكل.
ولكن هذه قصة أخرى.