ترامب يقض مضجع أوروبا (2)

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

التهديد الأمريكي بضم جرينلاند، باعتبارها منصة دفاع حيوية -في جزء منه- يعبر عن رغبة الولايات المتحدة في تأمين سيطرتها المطلقة وغير القابلة للنقاش، حتى وإن تم تجاوز أي قيود قد تفرضها الاتفاقية الثنائية مع الدنمارك.

ويكمن جوهر الأزمة في البعد الاقتصادي والموارد، وحسبما يرى العديد من المحللين، مثل إيان ليزر، الخبير البارز في السياسة الخارجية والأمن، ونائب رئيس صندوق مارشال الألماني، توجد تحت الجليد والتربة الصقيعية في الجزيرة ثروات هائلة من المعادن النادرة، مثل التنتالوم، والليثيوم، واليورانيوم.

هذه المعادن هي وقود الثورة التكنولوجية والتحول الأخضر، وتعكس رغبة واشنطن الملحة في تقليل اعتمادها على الصين المهيمنة عالمياً على هذه المواد.

تحويل جرينلاند إلى «مستعمرة موارد» أمريكية سيمثل ضربة استراتيجية في حرب الصناعات والتقنيات مع بكين، إنه الاستعمار الجديد بمبررات جيوسياسية حديثة.

ولا يمكن إغفال البعد الجيواقتصادي والمناخي، حيث كارثة الاحتباس الحراري -التي يستهين بها ترامب- تخلق فرصاً استراتيجية لواشنطن، فذوبان الجليد في القطب الشمالي من شأنه أن يفتح ممرات ملاحية جديدة، تقصر مسارات الشحن بين آسيا وأوروبا بشكل كبير.

والسيطرة على جرينلاند تعني القدرة على مراقبة هذه الطرق والتأثير عليها وفرض رسوم عليها مستقبلاً، مما يعيد إحياء منطق القوى الاستعمارية القديمة في السيطرة على الممرات المائية الحيوية.

هذه التركيبة من الدفاع والثروة والنفوذ تجعل جرينلاند، في عيون إدارة ترامب، «صفقة جيوسياسية» لا يمكن تفويتها، وتتسق مع منطق «الاستحواذ» الذي ميّز فترته الأولى، لكنه يرتدي الآن ثوباً أكثر عدوانية، مدفوعاً بغرور قوته العسكرية، وضرورات المنافسة مع الصين.

كان الرد الأوروبي على التهديدات الأمريكية سريعاً وموحداً، لكن ظاهرياً فقط، وكشف عن عمق القلق والضعف بين صرخات السيادة وصمت العجز.

مثّلت «ميتي فريدريكسن»، رئيسة وزراء الدنمارك، جدار الصد الأول، وكلمتها كانت واضحة وحازمة: «توقفوا عن تهديد حليف تاريخي.. لسنا للبيع»، وأكدت أن جرينلاند جزء من «الناتو»، وبالتالي فهي مشمولة بضماناته.
هذا الرد لم يكن إلا دفاعاً عن مبدأ السيادة الذي هو حجر الأساس في النظام الأوروبي والقانون الدولي.

وجاءت تصريحات ينس فريدريك نيلسن، رئيس وزراء جرينلاند: «كفى، لا مزيد من الضغوط.. نحن منفتحون على الحوار مع احترام القانون الدولي» لتعطي بعداً إنسانياً وسياسياً مهماً، وتشير إلى أن سكان الجزيرة ليسوا رهائن في لعبة القوى العظمى.

سارع القادة الأوروبيون في جميع أنحاء القارة العجوز إلى دعم كوبنهاغن برسائل متطابقة تؤكد على أن حرمة الحدود مبدأ غير قابل للتفاوض، وأن جرينلاند دنماركية.

ورغم أن هذا التضامن الظاهري كان ضرورياً لإظهار الوحدة الأوروبية في مواجهة التحدي الأمريكي، لكن هذا الخطاب الموحد يخفي ذعراً دفيناً، كما وصفته الصحف الفرنسية، ومن بينها صحيفة «لوفيجارو» التي طرحت السؤال المزعج: «هل هناك أحد في أوروبا مستعد للقتال ضد الولايات المتحدة من أجل جرينلاند؟»، واستكملت «لوفيجارو»: الإجابة العملية هي no، حتى ولو لم يقلها صراحة.

وتناولت صحيفة «لاكروا» موقف الناتو نفسه، ومدى الذعر الذي أثاره ترامب من خلال تصريح الأمين العام للحلف الأطلسي مارك روته الذي كان دالاً: «عندما يتعلق الأمر بجرينلاند، سواء انضمت إلى الولايات المتحدة أم لا، سأترك ذلك خارج هذه المناقشة، لأنني لا أريد جر الناتو إلى ذلك».

ما قاله أمين عام «الناتو» هو اعتراف صريح بأن الحلف، في مواجهة هذا الاختبار الحقيقي، يفضل الحياد، أو الانسحاب إذا شئنا الدقة.

هذا الموقف يفكك مباشرة أسطورة الضمان الأمني المطلق، ويفتح الباب أمام أسئلة لا مفر من طرحها: إذا كان الناتو عاجزاً عن حماية عضو من اعتداء حليف آخر، فما هي قيمته؟!

وللحديث بقية.