آثار تسليح ألمانيا واليابان

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي


مثلما يتغير الكون دومًا وباستمرار بدون توقف، تتغير السياسة وخرائطها أيضًا حسب الظروف الدولية وتقلبات أحوال وموازين القوى. منذ أربع سنوات عاش العالم أجواء الحرب الروسية الأوكرانية التي تدور رحاها بينما العالم يمارس توقعاته بشأنها ومصيرها، وهي تدور بين الغرب ممثلًا في أمريكا وأوروبا وروسيا، وجميعها قوى كبيرة في العالم، اقتصاديًا وعسكريًا. بعد تولي الرئيس ترامب منصبه، اتخذ مواقف وخطوات غير متوقعة بالنسبة لخصومه وحلفائه على السواء. اتخذ موقفًا ليس إيجابيًا بدرجة كافية مع حلف الأطلسي وكذلك أوروبا، وأعلن أن أمريكا لن تستمر في كفالتها العسكرية لدول أوروبا التي عليها أن تحمي نفسها، فأمريكا أولًا.

هذا الموقف جعل أوروبا تعيد ترتيب سياساتها بشأن حماية دولها من الحروب المحتملة، اتجهت الأنظار إلى ألمانيا صاحبة الاقتصاد الأقوى لتتولى القيادة، وفي نفس الوقت سمحت أمريكا لألمانيا وكذلك اليابان بزيادة موازناتهما العسكرية والتوسع في امتلاك السلاح بغرض الدفاع عن بلادهما وكذلك إعدادهما للمشاركة في أي حرب عالمية قد تنشب. وسارع البلدان إلى تنفيذ هذا التوجه، رغم الحظر الذي وضعته أمريكا عليهما منذ الحرب العالمية الثانية بشأن إطلاق العنان لتسلحهما.

يمثل هذا التوجه لكل من اليابان وألمانيا نحو تعزيز قدراتهما العسكرية تحولًا عميقًا في بنية النظام الدولي، وتحركًا محملًا بدلالات تاريخية وسياسية تتجاوز مجرد إعادة التسلح إلى إعادة تعريف الأدوار والمسؤوليات في عالم يشهد تراجعًا في اليقين الاستراتيجي. فهذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن التغير في الموقف الأمريكي، ولا عن الذاكرة الثقيلة للحرب العالمية الثانية، ولا عن القلق المتنامي من فراغات القوة في النظام العالمي.

طوال عقود ما بعد الحرب العالمية الثانية، قامت العلاقة الأمنية بين الولايات المتحدة وكل من اليابان وألمانيا على معادلة واضحة: قيود دستورية وسياسية صارمة على التسلح مقابل مظلة حماية أمريكية شاملة. هذه المعادلة لم تكن مجرد ترتيب عسكري، بل كانت جزءًا من هندسة النظام الدولي ترفض فيه واشنطن عودة القوى المهزومة إلى النزعة العسكرية، ورأت أن تدمجها في نظام ليبرالي اقتصادي وسياسي تقوده هي. غير أن التحولات الأخيرة في الخطاب والسياسة الأمريكية، خاصة النزعة الانعزالية المتزايدة والتركيز على المصالح المباشرة وتقاسم الأعباء، أضعفت الإحساس لدى طوكيو وبرلين بأن هذه المظلة دائمة أو غير مشروطة.

في حالة اليابان، يتغذى التوجه نحو التسلح من بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. صعود الصين كقوة عسكرية بحرية، وتزايد الضغط حول تايوان، والتجارب الصاروخية الكورية الشمالية، كلها عوامل جعلت الالتزام الياباني الصارم بالنزعة السلمية يبدو، في نظر كثيرين داخل اليابان، ترفًا تاريخيًا لم يعد قابلًا للاستمرار. أما في ألمانيا، فقد مثلت الحرب في أوكرانيا صدمة استراتيجية كبرى، أعادت إلى الواجهة سؤال الاعتماد شبه الكامل على الحماية الأمريكية في قارة تعود فيها الحروب التقليدية إلى قلب المشهد. وهكذا، لم يعد التسلح يقدم بوصفه نزوعًا عدوانيًا، بل باعتباره استعادة طبيعية للسيادة والمسؤولية الدفاعية.

هذا التحول يترك أثرًا مزدوجًا على السلام العالمي. فمن جهة، يمكن النظر إليه بوصفه عاملًا رادعًا، إذ إن دولًا أكثر قدرة على الدفاع عن نفسها قد تقلل من شهية القوى المنافسة للمغامرة العسكرية. لكن من جهة أخرى، يحمل هذا التوجه مخاطر كامنة، لأن إعادة تسليح قوى اقتصادية كبرى ذات وزن سياسي كبير قد تغذي سباقات تسلح إقليمية، وتعيد إحياء منطق موازين القوة الصلبة على حساب الدبلوماسية والمؤسسات متعددة الأطراف. فالسلام هنا يصبح سلامًا قائمًا على الردع والتوازن، لا على الثقة أو القواعد المشتركة.

أما على مستوى النظام العالمي، فإن ما نشهده هو تآكل تدريجي لنموذج الهيمنة الأمريكية الأحادية، والاتجاه لاستبداله بنظام أكثر تعددية. فحين تشعر دول حليفة تاريخيًا لواشنطن بالحاجة إلى الاعتماد على ذاتها عسكريًا، فهذا مؤشر على أن مركز الثقل في النظام الدولي بات موزعًا، وأن فكرة الضامن الواحد للأمن العالمي تتآكل. وهذا التحول يعزز منطق الإقليمية في الأمن، حيث تسعى كل منطقة إلى بناء توازناتها الخاصة.

في القارة الأوروبية، يكتسب الدور الألماني أهمية خاصة. فتعاظم القدرات العسكرية الألمانية يعيد رسم موازين القوى داخل أوروبا نفسها، ويمنح برلين ثقلًا سياسيًا وأمنيًا أكبر داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي. هذا الأمر قد يعزز من قدرة أوروبا على الاستقلال الاستراتيجي، لكنه في الوقت ذاته يثير حساسيات تاريخية لدى بعض الدول التي لا تزال تتذكر ماضي القوة الألمانية. وبالتالي، فإن التحدي الأوروبي لا يكمن فقط في زيادة التسلح، بل في ضبطه ضمن إطار جماعي يضمن عدم تحوله إلى مصدر انقسام داخلي.

أما مسألة امتلاك السلاح النووي للدولتين، فتظل من أكثر القضايا حساسية. من الناحية القانونية والسياسية، حيث لا تزال اليابان وألمانيا مقيدتين بالتزامات دولية ودستورية تجعل امتلاك السلاح النووي أمرًا بالغ الصعوبة. ومع ذلك، فإن قدراتهما التكنولوجية المتقدمة تجعل من هذا الاحتمال خيارًا ممكنًا إذا ما انهارت القيود السياسية والأمنية الحالية. مجرد بقاء هذا الاحتمال في الأفق يكفي لإثارة قلق عالمي، لأن دخول قوى جديدة إلى النادي النووي من شأنه أن يقوض منظومة عدم الانتشار، ويفتح الباب أمام مطالب مماثلة من دول أخرى.

إن توجه اليابان وألمانيا نحو التسلح ليس مجرد استجابة لسياسات أمريكية متقلبة، بل تعبير عن لحظة انتقالية في التاريخ الدولي، حيث تعاد صياغة مفاهيم الأمن والسيادة والتحالف. توجه يحمل في طياته عناصر استقرار محتملة، لكنه في الوقت ذاته يفتح أبوابًا لمخاطر جديدة، ويضع العالم أمام سؤال قديم متجدد: هل يتحقق السلام بتوازن السلاح أم بتوازن الثقة؟