محمود مرزوق يكتب: صراع العروش

كتب: محرر

محمود مرزوق يكتب: صراع العروش

محمود مرزوق يكتب: صراع العروش

تحفل دهاليز التاريخ المصرى القديم بقصص وأحداث مثيرة، تتشابك فيها خيوط السلطة والحكم، ويصبح السعى إلى حيازة العرش مسرحاً لأعظم فصول الدراما الإنسانية. فى عصر الأسرة الثامنة عشرة تبرز قصة استثنائية تفوق فى تعقيدها وإثارتها أى رواية خيالية. إنها قصة امرأة تجرأت على كسر قواعد وراثة العرش المستقرة منذ قرون، ورجل تم إقصاؤه وحرمانه من عرشه فظل لسنوات يتحين الفرصة التى جاءت بعد أكثر من عشرين عاماً من الانتظار. حتشبسوت وتحتمس الثالث، اسمان نُقشا على جدران الزمن بحروف من ذهب، يرويان لنا ملحمة صراع امتد لعقود، صراع لم ينته حتى بعد الموت.


وُلدت حتشبسوت فى القصر الملكى فى طيبة، ابنة للملك المحارب تحتمس الأول، تحمل فى عروقها أنقى ما يكون من الدم الملكى. لكن القدر منحها كل شىء إلا ما يجعلها وريثة شرعية للعرش فى نظر التقاليد: لقد كانت أنثى. ولأن نظام وراثة العرش المصرى كان يفرض على الملك أن يُنجب من زوجته الملكية ولياً للعهد يُعد ليكون ملكاً عالماً ببواطن الأمور، قائداً للجيش، شريكاً فى الحكم، فقد وجدت مصر نفسها أمام معضلة: دم ملكى نقى فى جسد امرأة.


الحل جاء على طريقة الفراعنة فى الحفاظ على نقاء السلالة: زواج من الأخ غير الشقيق. تزوجت حتشبسوت من تحتمس الثانى، رجل عاش تحت سيطرتها التامة حتى وافته المنية شاباً. وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذا النوع من الزيجات كان حكراً على الأسرة المالكة وحدها، سعياً للحفاظ على نقاء الدم الملكى، ولم يحدث قط أن تزوج إخوة أشقاء فى البيت الملكى، فما بالك بالعامة الذين لم تعرف مجتمعاتهم مثل هذه الزيجات على الإطلاق.
رحل تحتمس الثانى مبكراً، تاركاً وراءه ابنة وحيدة صغيرة من حتشبسوت تُدعى نفرو رع، وصبياً من زوجته الأخرى اسمه تحتمس. وهنا أظهرت حتشبسوت براعة سياسية نادرة: زوّجت ابنتها الوحيدة من ذلك الصبى، فأصبح تحتمس الثالث الملك الشرعى من الناحية النظرية، بينما تحولت العلاقة بينه وبين حتشبسوت إلى شبكة من صلات القرابة المتشابكة التى تحير العقل. فهو ابن زوجها وابن أخيها وزوج ابنتها فى آن واحد، وهى زوجة أبيه وعمته وحماته والوصية على عرشه، فى تركيبة عائلية تعكس مدى تعقيد لعبة السلطة فى مصر القديمة.


لكن حتشبسوت لم تكتف بدور الوصية على عرش صبى. كانت تؤمن، فى أعماقها، أن العرش حقها الطبيعى، وأن الدم الملكى الذى يجرى فى عروقها يمنحها شرعية لا تقل عن شرعية أى رجل. فبدأت تنسج خيوط خطتها المحكمة، لا بالسيف والدم، بل بالدهاء والذكاء السياسى. استمالت كهنة آمون رع، أقوى مؤسسة دينية فى البلاد، وكسبت ولاء قادة الجيش. وفى خطوة محسوبة لإبعاد الصبى تحتمس عن دائرة الضوء، ألحقته بمعبد آمون رع فى طيبة، راجية أن ينسى، مع مرور السنين، أنه الملك الشرعى الذى سُلب منه عرشه، وأن يتحول إلى مجرد كاهن يقضى حياته بين جدران المعبد.


ومرت اثنتان وعشرون سنة، عقدان كاملان حكمت فيهما حتشبسوت مصر بيد من حديد مغلفة بقفاز من حرير. سنوات شهدت استقراراً ورخاءً، وشهدت امرأة استثنائية تجلس على عرش كان حكراً على الرجال منذ فجر التاريخ. كبر خلالها تحتمس الثالث، تحول من صبى إلى رجل ناضج على مشارف الثلاثين، رجل قضى شبابه كله فى ظل امرأة سلبته ما هو حقه.


وحين جاء الموت ليأخذ حتشبسوت فى الستينات من عمرها، عاد تحتمس الثالث إلى المشهد. لم يكن وحده، فيبدو أن قوى كثيرة كانت تنتظر هذه اللحظة، قوى رافضة لحتشبسوت من حيث المبدأ، رافضة لفكرة أن تجلس امرأة على عرش البلاد. تم تمكين تحتمس من عرشه المسلوب، وبدأ الرجل الذى انتظر طويلاً فى ترتيب البيت من الداخل، مقرراً إنهاء عصر الاسترخاء العسكرى، معلناً بداية حقبة جديدة من التوسع والغزو، ممهداً الطريق لبناء أعظم إمبراطورية عرفتها مصر والشرق الأدنى القديم.


لكن اللغز الأكبر فى هذه الملحمة يكمن فيما فعله تحتمس بعد موت حتشبسوت. فى البداية، أقام لها مراسم دفن لائقة، محافظاً على كل الطقوس والشعائر التى تليق بملكة. كان ذلك يوحى باحترام ما، أو ربما واجب عائلى، أو حتى اعتراف ضمنى بمكانتها. لكن ما لبث أن بدأ تحتمس الثالث حملة تطهير شاملة لم يشهد التاريخ لها مثيلاً. كل من كان فى الدائرة المقربة من حتشبسوت، كل من دعمها وساندها، تم إخراجه من المشهد مع تلطيخ سمعته وتشويه ذكراه. أما حتشبسوت نفسها، فقد كان مصيرها أقسى: محاولة محو كل ذكرى تثبت أنها كانت يوماً حاكمة البلاد، فتماثيلها حُطمت، واسمها طُمس من النقوش، وأُسقطت من القوائم الملكية الرسمية كما لو أنها لم تكن يوماً، كما لو أنها كانت مجرد مارقة خرجت عن النمط العام لتوارث العرش، خروجاً عن المألوف يجب محوه من ذاكرة التاريخ.


فهل كان هذا انتقاماً من رجل عاش عقدين فى انتظار ما سُلب منه؟ هل كان ثأراً لشباب ضاع بين جدران المعبد؟ أم كان قراراً سياسياً لإعادة ترتيب الشرعية الملكية وإزالة سابقة خطيرة قد تفتح الباب لنساء أخريات؟ هل كان محاولة لإعادة كتابة التاريخ بحيث يبدو وكأن تحتمس الثالث هو الوريث الشرعى الوحيد منذ البداية؟ المؤرخون، حتى يومنا هذا، منقسمون حول هذه الأسئلة.


لكن ما نعرفه يقيناً هو أن حتشبسوت، رغم كل محاولات طمس تاريخها، فإن تماثيلها المحطمة ونقوشها المطموسة ما زالت تروى قصتها، ما زالت تشهد على عظمة امرأة تحدت كل الأعراف وحكمت بحكمة واقتدار. ونعرف أيضاً أن تحتمس الثالث أصبح واحداً من أعظم الفراعنة، مؤسس أول إمبراطورية مصرية حقيقية، قائداً عسكرياً لا يُشق له غبار. كلاهما ترك بصمة لا تُمحى فى كتب التاريخ، وكلاهما، بطريقته الخاصة، كان عظيماً.


مواضيع متعلقة