في أزمة الشعر (2)
انتقل الشعراء إلى مسار إبداعى آخر هو «قصيدة النثر» التى وجدت صدى أكثر من الشعر الحر، زاد ليصير تهكماً، بعضه يتهم شعراء النثر بالعجز عن الإتيان بأوزان وموسيقى تصنعها الألفاظ والمفردات، لفقر حصيلتهم اللغوية، وبعضه يتهم أهل الشعر بالاستهتار بمسار الشعر العربى الطويل، أو الانصياع للرؤية والصياغة الغربية فى كتابة الشعر.
لكن هذه الموجة الرافضة لم تفت فى عضد الشعراء الحداثيين، فأقبلوا على قصيدة النثر بشهية مفتوحة، ودعا المتمكنون منهم النقاد إلى ضرورة التفرقة بين أولياء الشعر وأدعيائه، وأنتجوا دواوين تتابعت حتى صار لقصائد النثر مسارها العفى، ثم اجتمعوا فى منحى لا يكتفى بالدفاع عن اللون الذى يبدعه هؤلاء، بل يهاجم الشعر العمودى، وشعر التفعيلة، على اعتبار أن الزمن قد تجاوزه، أو أن بداهة الشعر الفنية تقتضى الخروج عليه، لأن التفكير فى القافية والوزن يحول الشعر أحياناً إلى عملية ذهنية.
لكن الأمر لم يبق على حاله فى جيلنا من الأدباء، إذ خرج مبدعون من إهاب الشعر إلى غيره، تلاحقوا فرادى حتى صارت ظاهرة، تلفت الانتباه بشدة، وأسبابها عدة، أقلها أن البعض قد نضب معينه الشعرى، ولا لوم فى هذا إن كان هناك شاعر يرى أن قدرته على إبداع الشعر لم تعد على حالها، وأنه حين كتب نصوصاً جديدة وجدها أقل من قديمه أو لم تضف إليه، فتوقف عن الشعر، لكنه لم يستطع التوقف عن الكتابة، فانتقل إلى ميدان آخر، وأجاد فيه.
وهناك سبب يتعلق برواج الرواية، إذ أقبل عليها القراء، وخصصت لها الجوائز السخية، فصارت بالنسبة لكثيرين مسعى للتحقق عبر كسب مال أو شهرة أو مكانة أدبية. ويوجد أيضاً سبب جوهرى، وهو غاية فى الأهمية والاعتبار، يتعلق بقدرة النص الروائى على حمل أفكار ومعانٍ وتعبير بالأدب عن موقف أو حال وطرائق فنية متعددة لا حد لها، ولا صد، ولا قالب جاهز.
وسط هذه الموجات المتضاربة من الشعر وحوله هناك من حرص على ألا تأخذه الرواية والقصة والمقال السردى من إبداع الشعر، فتوازى لديهم إنتاج هذه الألوان، فوجدنا عبدالمنعم رمضان يجمع بين إنتاج القصائد وكتابة المقال الفياض السلس الذى يحمل فكرة أو معنى، ووجدنا إبراهيم داود يكتب الشعر بعد انتقاله إلى عالم الحكايات والقص، وظل أحمد الشهاوى حريصاً على إبداع الشعر مع انتقاله إلى الرواية، ولم يأخذ المقال الصحفى فاروق جويدة من نشر قصائد فى المكان المخصص لمقاله الأسبوعى فى صحيفة «الأهرام».
وخارج مصر لم يأخذ النقد والفكر السورى أدونيس من الإصرار على الشعر، وقبله زاوج الفلسطينى محمود درويش بين كتابة نثرية بديعة والشعر حتى نهاية حياته، ومثله فعل العراقى سعدى يوسف، وحافظ المغربى محمد الأشعرى على إنتاج الشعر إلى جانب الرواية، ومثله كان البحرينى قاسم حداد، وهكذا سار على منوالهم كثيرون.
بعض هؤلاء كان يتابع تهميش الشعر فى الحياة الثقافية العربية، ويلاحظ تراجع الطلب عليه عند جيل جديد من القراء، فراح يردف معه ألواناً أخرى من الكتابة الأدبية وغيرها، وبعضهم لم يجد للشعر سوقاً، والعائد منه ضئيل، لا يكفى أن يوفر دخلاً مناسباً لأديب، عليه التزامات مادية حيال نفسه وأسرته، فذهب إلى المقال، الذى له مساحة واسعة فى الدوريات والمجلات والصحف.
لكن كل هذا المحاولات وذلك التحايل لم يجعل أحداً من كبار الشعراء ينكر أن الشعر صار مهمشاً، وكم أوجعهم أن يكون أبدع ألوان الأدب واقفاً وهو منكسر أو حائر فى الهامش المعتم أو الرمادى على الأكثر، لكن أحداً منهم لا يملك أى قدرة فى التمرد على هذه المعادلة الجديدة، ليظل أولئك الذين يقاومون الاستسلام لهذا الوضع، ويصرون على ألا يكتبوا سوى الشعر، ينتقلون من بؤس إلى بؤس، ومن تهميش إلى آخر.