«ترامب» يقض مضجع أوروبا (4)

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

تقف أوروبا عند مفترق طرق تاريخي، فرد فعلها على أزمة «جرينلاند»، وتصديها لرغبة «ترامب» في الاستيلاء عليها، سيحدد شكل القارة لعقود قادمة، وتتعدد السيناريوهات المتوقعة، التي تتراوح بين التفاؤل والتشاؤم، وبعضها أقرب إلى الكوابيس.

السيناريو الأول يميل إلى التفاؤل، حيث يشير إلى يقظة الدول الأوروبية، وسعيها إلى الإسراع بخطوات التكامل الدفاعي فيما بينها، وقد تكون الصفعات الأمريكية هي الدفعة التى تحتاجها أوروبا للاستيقاظ.

يمكن أن تدفع الأزمة إلى تنفيذ خطط «السيادة الاستراتيجية» الأوروبية، وتعزيز التعاون العسكري خارج إطار حلف الناتو، والتنسيق بشأن زيادة ميزانيات الدفاع، وبناء قدرات دفاعية أوروبية مستقلة.

ويمكن أيضاً أن تقوى (أزمة جرينلاند) التضامن داخل الاتحاد الأوروبي، وتدفع لإنشاء قيادة دفاعية أوروبية مشتركة حقيقية، وتنويع الشراكات الاقتصادية لتقليل الاعتماد على السوق الأمريكية. ووفقاً لهذا السيناريو، يمكن أن تخرج أوروبا من الأزمة أكثر قوة، وأكثر تماسكاً، واعتماداً على الذات، دون الارتكان إلى الحليف الأمريكي، الذي لم يعد كما كان، بعد تآكل مساحة الثقة فى نواياه.

أما السيناريو الثاني (المتشائم) حيث يرى بوادر الانقسام والتفكك الأوروبي تلوح فى الأفق، فقد يؤدي الخوف والذعر إلى نتائج عكسية.

هناك خوف لدى الدول الأوروبية من الرسوم الجمركية التى قد تفرضها الولايات المتحدة، أو من العزلة حال اتخاذها مواقف غير محسوبة فى هذه المواجهة، وهو قد يدفعها - حسبما يرى الخبير الاقتصادي الألماني جونترام وولف - إلى التخلي عن التضامن الأوروبي، والتفاوض الثنائى مع «واشنطن»، مما يقوض مشروع الاتحاد الأوروبى من أساسه.

وقد تبدأ دول أوروبا الشرقية، التي تشعر بتخلي «واشنطن» عنها، في إعادة تقييم تحالفاتها، بينما قد تدور دول أخرى في فلك السياسات اليمينية المدعومة أمريكياً.

هذا السيناريو من شأنه العودة بأوروبا إلى عصر ما قبل الاتحاد، حيث تطغى المصالح القومية الضيقة على المشروع المشترك.

السيناريو الثالث الأقرب لـ«الكابوس» كما رسمته مجلة «فورين بوليسي» حيث تقع أوروبا في فخ الاستبداد والفوضى.

ففى ظل غياب المظلة الأمنية الأمريكية، وتزايد الضغط الروسي من الشرق، بالإضافة إلى الانقسامات الداخلية، قد تعود أوروبا إلى شيطانها القديم، وهو القومية المتطرفة.

قد تتحول العديد من الدول إلى نماذج شعبوية استبدادية - على غرار المجر - بدعم وتشجيع صريح من «واشنطن»، وقد يعود سباق التسلح بين الدول الأوروبية نفسها، وتنفجر النزاعات التاريخية المكبوتة.

باختصار، قد تعود أوروبا إلى كونها ساحة صراع، كما كانت لقرون، قبل أن تفرض الولايات المتحدة حالة السلام القسري - كقوة عظمى - منذ عام 1945، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

ويبقى السيناريو الرابع (الواقعي)، إذا ما تم تكثيف جهود الوساطة، لتجاوز أزمة «جرينلاند»، وقد تحاول قوى وسيطة داخل أوروبا، مثل جورجيا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا، التي تجمع بين الميل للسياسة اليمينية، والالتزام بالمشروع الأوروبي، لعب دور الجسر بين بروكسل (مقر الاتحاد الأوروبي) وواشنطن.

هذا السيناريو مشروط بتخفيف حدة التصريحات المتبادلة، والعثور على صيغة توافقية، ربما تتضمن تعزيز الوجود العسكرى الأمريكي في «جرينلاند»، وتوفير مزيد من الضمانات لـ«ترامب» للوصول لموارد الجزيرة، مقابل اعتراف أمريكي رسمي بسيادة الدنمارك ووقف التهديدات.

وعلى الرغم من واقعية هذا السيناريو، فإنه لن يحل التناقضات الجوهرية، بل سيؤجلها فقط، وستبقى الأزمة مشتعلة طالما أصر الرئيس الأمريكي على المضي في تحقيق هدفه الاستراتيجى بضم الجزيرة، وطالما اقتنع بضرورة انصياع القارة العجوز لرغباته.

في النهاية، فإن قضية «جرينلاند» ليست مجرد نزاع على جزيرة جليدية، لكنها باتت رمزاً لتحول عالمي، وتبدو الآن وكأنها بداية النهاية لعصر من التعددية الليبرالية التي قادها الغرب، وصعود عصر جديد من القومية التنافسية، حيث تتحول التحالفات إلى معاملات للقوة فقط، والقانون الدولي إلى حبر على ورق، إذا تعارض مع إرادة الأقوياء.

الأزمة في مضمونها إنذار خطير لأوروبا، ودرس مهم لدول العالم، بأن الاعتماد على حامٍ خارجى، مهما كان قوياً وودوداً فى الماضى، هو الوهم بعينه.

رد أوروبا على هذا التحدى سيكون محك نضجها السياسي، فهل ستتمكن من تحويل الذعر إلى إرادة، والعجز إلى قوة، والانقسام إلى وحدة؟ أم أن صفعات «ترامب» ستؤدى لتفكك المشروع الأوروبى الأكثر طموحاً فى تاريخ القارة؟.

وكما سيذوب الجليد فى «جرينلاند» بسبب تغير المناخ، ستذوب معه أيضاً سيادة الدول الصغيرة، ومصداقية التحالفات، والقيم الليبرالية التى بنت عليها أوروبا سلامها وازدهارها بعد الحرب.

وقد يكشف الذوبان عن صخرة صلبة من الإرادة الأوروبية الجديدة، قادرة على الصمود فى عالم أكثر برودة وقسوة.

الإجابة تكتب الآن في كوبنهاجن وبروكسل وبرلين وباريس، تحت عين «واشنطن» الساهرة ومطرقة «ترامب» المعلقة فوق رؤوس حلفائه.