سامح فايز يكتب: الدولة الوطنية كخط دفاع أخير

كتب: محرر

سامح فايز يكتب: الدولة الوطنية كخط دفاع أخير

سامح فايز يكتب: الدولة الوطنية كخط دفاع أخير

في لحظات الاضطراب الكبرى، لا تُقاس الدول بشعاراتها ولا بخطاباتها، بل بقدرتها على الصمود حين تتراجع البدائل. وذلك تحديداً ما كشفته السنوات الماضية، حيث تبيّن أن الدولة الوطنية، بكل ما يحيط بها من انتقادات وأسئلة، كانت في النهاية خط الدفاع الأخير أمام تفكك شامل لم يكن ليتوقف عند حدود السياسة.

التجربة المصرية، في هذا السياق، لا يمكن قراءتها بوصفها استثناءً، بل بوصفها نموذجاً شديد الدلالة. فحين تراجعت السلطة المركزية بعد يناير 2011، لم تتقدم قوى منظمة قادرة على إدارة الدولة، بل تقدمت الفوضى، وتنازعت المجال العام قوى متناقضة، لكل منها تصورها الخاص، دون قدرة حقيقية على الجمع أو الضبط أو الاستمرار. في تلك اللحظة، لم يكن السؤال: أي نظام نريد؟ بل: هل ستبقى الدولة أصلاً؟

من المهم هنا التمييز بين النقد المشروع لفكرة الدولة، وبين الرهان على إضعافها. فالسنوات التي تلت 2011 أثبتت أن تآكل الدولة لا يفتح المجال تلقائياً لسياسة أفضل، بل يفتح الباب أمام لاعبين غير مؤهلين، أو أمام صراعات لا سقف لها. ومع غياب الدولة، لا تختفي المشكلات الاجتماعية، بل تتضاعف، ولا تتحرر السياسة، بل تتحول إلى صراع بقاء.

الدولة الوطنية، في هذه اللحظة التاريخية، لم تكن مجرد سلطة تسعى لاستعادة نفوذها، بل كانت الإطار الوحيد القادر على منع الانهيار. استعادة الأمن، إعادة تشغيل المؤسسات، حماية الحدود، وضمان الحد الأدنى من انتظام الحياة اليومية.. كلها وظائف لا يمكن أن تقوم بها جماعات أو حركات أو شبكات، مهما رفعت من شعارات. وهذه حقيقة لا علاقة لها بالأيديولوجيا، بل بطبيعة الدولة الحديثة نفسها.

ما جرى بعد ذلك لم يكن عودة بسيطة إلى ما قبل الاضطراب، بل إعادة تعريف لدور الدولة وحدودها. فالدولة التي خرجت من تلك التجربة لم تعد هي الدولة نفسها التي دخلتها. هناك وعي أكبر بكلفة الانفلات، وحساسية أعلى تجاه المخاطر، وإدراك متزايد بأن الأمن لم يعد ملفاً منفصلاً عن الاقتصاد أو الاجتماع أو السياسة. وهذا الإدراك هو ما جعل الدولة أكثر حضوراً، وأكثر حسماً أحياناً، وأكثر تدخلاً حين تقتضي الضرورة.

في المقابل، تراجعت السرديات التي راهنت على إسقاط الدولة أو تجاوزها. الإسلام السياسي، وغيره من الفاعلين الأيديولوجيين، فشلوا في تقديم نموذج بديل قادر على الصمود. لم يكن الفشل هنا أخلاقياً فقط، بل عملياً: غياب رؤية لإدارة مؤسسات، عجز عن التعامل مع التنوع الاجتماعي، وعدم قدرة على موازنة الداخل بالخارج. ومع هذا الفشل، بدا واضحاً أن الدولة بمفهومها القومي، رغم كل ما يقال عنها، تظل خياراً وطنياً.

الدولة الوطنية، إذن، ليست فكرة مثالية، ولا كياناً منزّهاً عن الخطأ، لكنها في السياق المصري والإقليمي كانت السد الأخير أمام سيناريوهات أكثر قسوة. والتمسك بها لم يكن تعبيراً عن حنين إلى السلطة، بل استجابة واقعية لميزان قوى ومعطيات اجتماعية لا تسمح بالمغامرة. فحين يكون البديل هو التفكك، يصبح الحفاظ على الدولة فعلاً عقلانياً قبل أن يكون موقفاً سياسياً.

ربما لهذا السبب تحديداً، لم تعد فكرة «إضعاف الدولة» جذابة كما كانت. المجتمع الذي عاش تجربة الانكشاف، بات أكثر وعياً بأن الدولة، بكل ما تمثله، هي الإطار الذي يحميه من الأسوأ. وهذا لا يلغي الحاجة إلى التطوير أو الإصلاح، لكنه يضعها داخل منطق الدولة، لا ضدها.

في النهاية، ما أثبتته السنوات الماضية هو أن السياسة بلا دولة تتحول إلى فوضى، وأن الدولة بلا سياسة تتحول إلى عبء. التحدي الحقيقي هو إدارة هذا التوازن، لكن نقطة البداية الواضحة هي الاعتراف بأن الدولة الوطنية، في لحظتنا الراهنة، لم تكن مجرد خيار بين خيارات، بل خط الدفاع الأخير.