جنوح «ترامب» وجنونه

أميرة خواسك

أميرة خواسك

كاتب صحفي

تتضح يوماً بعد يوم الخطة الأمريكية للسيطرة على مصادر الثروة فى العالم بدون حروب تقليدية، بل لقد اتضح اليوم لماذا ألهت العالم بالحرب الروسية الأوكرانية التى لم يكن لها مبرر سوى توريط روسيا وأوروبا وإضعاف كافة الأطراف وشغلهم عن الخطر الحقيقى، ولقد تعلم «ترامب» من درس تدخل الجيش الأمريكى فى العراق، وما تبعه من خسائر فى الأرواح ومستنقع ظلت الولايات المتحدة منغمسة فيه لسنوات، لهذا فقد عمل «ترامب» اليوم على تحديث وسائل الاحتلال بما يقلل من الخسائر ويضاعف من المكاسب.

فقد بعث برسالة واضحة لدول العالم بعد ما جرى فى فنزويلا أنه فى سبيل السيطرة المباشرة على ثروات الدول سيلجأ إلى أية وسيلة مشروعة أو غير مشروعة، قانونية أو غير قانونية، وسيستخدم الفضائح والخيانات والترويع والترهيب، أما الجيش الأمريكى فتدخله سيكون فى أضيق الحدود، سواء من حيث العدد أو العتاد، وبهذا سيحقق مكاسب هائلة دون خسائر تذكر، خاصة أن الساحة خالية أمامه من أية معارضة حقيقية سواء فى الداخل أو فى الخارج. ولم يستغرق الأمر الكثير من الوقت حتى أعلن عن موافقة فنزويلا على بيع وتكرير ٥٠ مليون برميل من النفط الفنزويلى إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بل هى فى الطريق إليها.

كما أنه دق على الحديد وهو ساخن، وعلى الفور أعلن عن نيته الاستيلاء على جزيرة جرينلاند الدنماركية، ولم يلتفت حتى للاحتجاج الدنماركى ولا لتأثير تصريحاته على حلف الناتو، ولم ينف تصريحات لورا ريتشاردسون، قائد القيادة الجنوبية للولايات المتحدة التى صرحت بأن دولاً، مثل كوبا وفنزويلا ونيكاراجوا، لديها علاقات مع روسيا، وهذه المنطقة تكتسب أهمية بما تملكه من موارد وعناصر أرضية نادرة (مثلث الليثيوم) الضرورى لتصنيع التكنولوجيا، وأن 60% من الليثيوم فى العالم موجودة فى مثلث الليثيوم فى الأرجنتين وبوليڤيا وتشيلى، وأن 31% من المياه العذبة فى العالم موجودة فى هذه المنطقة، وأن لدى الولايات المتحدة الكثير لتفعله فى هذه المنطقة التى لها علاقة بالأمن القومى الأمريكى. فضلاً عن التهديدات المباشرة إلى إيران بدعوى حماية المتظاهرين، ولو لم تكن إيران دولة نفطية ما اهتمت الولايات المتحدة بالمتظاهرين ولا حتى بالقتلى.

إذن، أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية، كما نقول، تلعب على المكشوف، ولا يقف شىء أمام جنوحها نحو ثروات الدول الأخرى، ولا يردعها قانون دولى أو منظمات عالمية، أو حقوق الدول فى الاختيار أو حتى حقوق الإنسان الذى صدعتنا به لعقود، وأسفرت عن وجهها الاستعمارى القبيح، الذى يستبيح أى شىء وكل شىء فى مقابل الثروة.

هذا تماماً هو ما سيؤدى فى النهاية إذا ما استمر إلى انهيار الولايات المتحدة الأمريكية، التى ربما لا تدرك أنه لا تزال هناك دول كبرى ستتعارض مصالحها مع أقدمت عليه، وأن الصين وروسيا وقوى أخرى ستنضم لهما لن يقبلوا بهذا الاستغلال الفج، الذى من المؤكد أنه سيعود على دول كثيرة بالضرر.

من الواضح أن دونالد ترامب لا يجيد فن السياسة، ولم يقرأ التاريخ، ولا يدرك أن فتح العديد من الجبهات لا يمكن لأى قوى فى العالم احمله مهما كبرت، وهو لا يعرف سوى الاستيلاء على المال ولا يجيد غير لغة القوة، وكل هذه العناصر وغيرها هى مقدمات مؤكدة لانهيار الإمبراطوريات والقوى الكبرى، والحروب فى التاريخ كانت تشتعل لأسباب أقل مما يفعله «ترامب» بكثير، وهذا يجعلنا نشعر بقلق بالغ إزاء ما سينتج عن هذا الجنون الذى أصاب الولايات المتحدة الأمريكية، والذى سينعكس بالضرورة على العالم كله ما لم تتوقف السياسة الأمريكية فوراً.