بين الوجود والغياب.. متى تستقر سياسة مصر السكانية؟
فى أوائل القرن الماضى، وتحديداً فى يناير عام 1936، دخل الملك فؤاد الأول فى غيبوبة سُكّر كادت تودى بحياته. وقتها تصدّر طبيبه الخاص محمد شاهين باشا المشهد، وتمكن من إنقاذه فى اللحظات الأخيرة. وما إن استعاد الملك وعيه حتى قال عبارته الشهيرة: «أشكرك يا وزير»، التى تحولت مباشرة إلى مرسوم ملكى بإنشاء وزارة الصحة العمومية، ليصبح شاهين باشا أول وزير صحة فى تاريخ مصر، وتبدأ الدولة مساراً مؤسسياً جديداً لتنظيم الصحة العامة.
ومع مرور الزمن، تغيّر مفهوم الصحة ذاته، فلم يعد مقتصراً على مكافحة الأمراض أو إنشاء المستشفيات، بل أصبح مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بخصائص السكان وجودتهم وقدرة المجتمع على استيعاب الزيادة البشرية. أدركت الدول المتقدّمة أن الانفجار السكانى يمكنه أن يبتلع أى إصلاح صحى مهما كان حجمه، وهنا بدأ الالتفات عالمياً إلى ضرورة وجود كيان مؤسسى معنى بالسياسة السكانية.
وفى مصر، ظهر هذا الإدراك مبكراً، حين أنشأ الرئيس جمال عبدالناصر فى منتصف الستينات «المجلس الأعلى لتنظيم الأسرة» برئاسة رئيس الوزراء، قبل أن يتحول فى عهد الرئيس مبارك إلى المجلس القومى للسكان، الذى تنقّل بين تبعيته لرئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء، ثم ضُمّ إلى وزارة الصحة ثم انفصل عنها، وتحول لاحقاً إلى حقيبة وزارية مستقلة، قبل أن يلغى، ثم يعود، ثم يلغى مرة أخرى، فى سلسلة مستمرة من التحولات تكشف حيرة مؤسسية وعدم استقرار فى تحديد الجهة الحقيقية المسئولة عن هذا الملف.
وهكذا ظل ملف السكان يتأرجح بين الوجود والغياب، بين التفعيل والإلغاء، وبين الإدماج والفصل، دون أن يستقر فى يد جهة واحدة تتبناه رؤية وخطة ومساراً واضحاً. والنتيجة أن الجمهور لم يعرف تماماً ما الذى تقدّمه تلك الوزارة حين تُفعّل، ولا ما الذى يختفى حين يتم إلغاؤها. وبقى الملف، رغم خطورته القصوى، دون تعريف حقيقى لدوره أو أهدافه.
والمفارقة أن القيادة السياسية تشير دائماً وبوضوح إلى خطورة النمو السكانى، بل يصف السيد الرئيس هذا الملف بأنه أخطر من الإرهاب، لأنه يلتهم ثمار التنمية ويُعرقل جهود الدولة فى التعليم والصحة والبنية التحتية، ورغم ذلك لا تزال الاستجابة المؤسسية لهذا التحدى متواضعة، بلا خطة واضحة أو رؤية شاملة أو هيكل إدارى مستقر.
وليس سراً أن ملف السكان ليس مجرد أرقام عن عدد المواليد، بل هو قراءة واسعة تشمل مستوى التعليم، ودرجات الوعى، ومعدلات الفقر، وفرص العمل، والتوزيع الجغرافى، ومعدل الإعالة، والقدرة الإنتاجية. وكلها عناصر ترسم خريطة المجتمع وتحدّد قدرته على النمو والاستدامة. ولذا فإن الاكتفاء بإحصاءات أو حملات متفرقة لن يُحقق أى تأثير حقيقى إذا لم يكن جزءاً من رؤية مركزية متكاملة.
وللإنصاف، فإن وزارة الصحة والسكان فى الفترة الأخيرة تشهد خطوات واضحة لإعادة الهيكلة وتنظيم العمل الصحى وإطلاق تشريعات طال انتظارها، وهذا جهد يحترم ويستحق التقدير. لكن تظل الملاحظة الجوهرية أن ملف السكان -رغم ارتباطه المباشر بالصحة والتنمية- لم يجد بعد المساحة الكافية داخل هذه الرؤية، ولم تظهر له خطة محددة تُطمئن الرأى العام أو تعكس حجم الاهتمام الذى يستحقه.
إن حملات ناجحة مثل حملة «اتنين كفاية» التى أطلقتها وزارة التضامن الاجتماعى أثبتت أن التوعية قابلة للتنفيذ حين تكون هناك رؤية واضحة، فلماذا لا تتبنى وزارة الصحة حملات مُشابهة؟ ولماذا لا يتم تفعيل الوحدات الصحية المنتشرة فى كل قرية ونجع لتصبح مراكز إرشاد أسرى وتنظيم أسرة؟ ولماذا لا يتم ربط ملف السكان بالمبادرة الرئاسية لصحة المرأة، ليكون لكل زيارة طبية رسالة توعوية تؤثر فى المجتمع؟
إن وجود وزارة مستقلة للسكان كان من الممكن أن يعطى الملف ثقلاً أكبر، لكن حتى فى غياب هذه الوزارة، لا يزال بالإمكان -بل من الضرورى- أن يتحول الملف إلى أولوية داخل منظومة الصحة. ومع الحديث المتزايد عن تعديل وزارى محتمل، يعود السؤال: هل يمكن أن نشهد إحياءً جديداً لملف السكان برؤية واضحة ودور محدّد واستراتيجية طويلة المدى؟
الإجابة فى رأيى ليست ترفاً يُمكن تأجيله، بل ضرورة وطنية ملحة. فبين الوجود والغياب يضيع الوقت، بينما تتضاعف الأعباء.
قد آن لهذا الملف أن يستقر، قبل أن يصبح ثمن التأجيل أثقل مما نتحمل.. أو هكذا أعتقد..!