أكد فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، أن الشيعة يدخلون بوضوح في رؤية الأزهر القائمة على الانفتاح والتعاون والأخوَّة، مشددًا على أنهم إخوة لأهل السنة، ولا يحتاج هذا الأمر إلى وثائق أو مواثيق لإثباته، باعتبارهم جزءًا أصيلًا من الأمة الإسلامية ومكوِّنًا من مكونات أوطاننا العربية.
مدرسة «التقريب بين المذاهب»
وأوضح شيخ الأزهر أن الشيعة، إلى جانب الزيدية والإباضية وغيرهم من مذاهب العالم الإسلامي، يتمتعون بمواطنة كاملة في كل الدول العربية التى يتواجدون فيها، مؤكدًا أن الأزهر كان ولا يزال صاحب مدرسة «التقريب بين المذاهب»، والداعي دائمًا إلى وحدة الأمة الإسلامية حول أهدافها الكبرى، ووحدة الفكر والموقف، مهما تعددت المذاهب والاجتهادات.
وأشار الإمام الأكبر إلى أن علاقته بكثير من مراجع الشيعة العرب وغير العرب تقوم على الأخوَّة العلمية والمودة والاحترام المتبادل، لافتًا إلى مشاركة شخصيات شيعية بارزة في جهود الحوار الإسلامي، من بينهم السيد على الأمين، عضو مجلس حكماء المسلمين، والشيخ أحمد مبلغي، المشارك في مبادرة الحوار الإسلامي، إلى جانب عدد من المراجع والعلماء من العراق وبلاد المسلمين، ومنهم أبناء السيد الخوئي والسيد الحكيم وغيرهم.
الأزهر مؤسسة علمية دعوية لا علاقة لها بالسياسة
وتطرق شيخ الأزهر إلى التحديات التي تواجه هذا المسار، موضحًا أن صوت المتطرفين قد يعلو أحيانًا، وأن بعض الأطراف تحاول توظيف التقارب المذهبي توظيفًا سياسيًا، مؤكدًا في هذا السياق أن الأزهر مؤسسة علمية دعوية لا علاقة لها بالسياسة أو الحسابات الدولية، ولا يقبل أن يكون انفتاحه وسعة صدره محل استغلال سياسي بأي صورة.
وشدد فضيلته على أن دعوة الأزهر لدعم المواطنة الكاملة والاندماج الإيجابي بين أبناء الوطن الواحد تشمل الجميع دون استثناء، وفي مقدمتهم الشيعة، معربًا عن سعادته بكل تجربة اندماج إيجابي تسهم في نهضة الأوطان واستقرارها.
وكشف الإمام الأكبر عن تطورات مرتقبة في ملف الحوار الإسلامي–الإسلامي، مشيرًا إلى نجاح الجولة الأولى التي عُقدت في مملكة البحرين، وتُوِّجت بإطلاق «نداء أهل القبلة» باعتباره أساسًا لتعزيز الوحدة الإسلامية العلمية، معربًا عن تطلعه لانعقاد الجولة الثانية في القاهرة خلال شهر أبريل المقبل، لتحقيق مزيد من التقارب والتفاهم بين أبناء الأمة الإسلامية.
توافق مجتمعي داخل مصر على رفض هذه الظواهر
وأوضح شيخ الأزهر أن هناك توافقًا مجتمعيًا واسعًا داخل مصر على رفض هذه الظواهر، إلى جانب رؤية دينية مشتركة عبَّر عنها «مؤتمر بيت العائلة المصرية» بمشاركة الأزهر وكافة الكنائس، حيث جرى التأكيد على رفض محاولات التغلغل الثقافى وفرض النماذج الشاذة عبر ما يسمى بالقوى الناعمة، من خلال بعض الأعمال الفنية والإعلامية، بل ومحاولات استهداف الأطفال ومناهجهم التعليمية والمحتوى الموجَّه إليهم.
وأشار الإمام الأكبر إلى أن هذا الملف يُطرح باستمرار على طاولة قادة وزعماء الأديان فى مختلف المحافل الدولية، مؤكدًا وجود توافق واسع بينهم على رفض هذه الممارسات، والدفاع عن مؤسسة الأسرة الطبيعية القائمة على زوج وزوجة فقط، باعتبارها الضامن الأساسى لحماية الفطرة الإنسانية وبقاء البشرية كما أرادها الله تعالى، وهو ما نصت عليه «وثيقة الأخوَّة الإنسانية».
وشدد شيخ الأزهر على أن المواجهة مع هذه الهجمة الأخلاقية لا تزال فى حاجة إلى مزيد من الجهد والتخطيط ووضع استراتيجية شاملة لحماية القيم الدينية والأخلاقية، كاشفًا أنه عبَّر بوضوح عن هذا الموقف خلال مؤتمر دولى حاشد عُقد فى روما فى أكتوبر الماضى، بحضور الرئيس الإيطالى سيرجيو ماتاريلا، وملكة بلجيكا ماتيلد، ونخبة من قادة الفكر من الشرق والغرب، حيث أكد أن هناك أزمات اجتماعية تستهدف مقدسات الشعوب، وتعبث بثوابتها، وتسعى للنيل من الأسرة والأطفال عبر تصدير بدائل شاذة ترفضها الأديان والفطرة الإنسانية السليمة.
شيخ الأزهر: لا تهمني الجوائز
وحول ما يثار بشأن أحقية الجهد المشترك بينه وبين بابا الفاتيكان، وتوقيع وثيقة الأخوَّة الإنسانية، بالحصول على جائزة نوبل للسلام، وتأثير مواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية والمناهِضة لدعاة المِثلية على ذلك، قال شيخ الأزهر: «لو كان ذلك صحيحًا فقد نلت ما هو أهم من أى جائزة»، مؤكدًا أنه لا يشغل نفسه بالجوائز أو الترشيحات، ولا يتخذ مواقفه سعياً لاستحسان طرف أو إرضاء آخر.
وأضاف الإمام الأكبر، فى حديثه بروح شخصية صادقة، أنه رجل بسيط لا يطلب من الدنيا سوى القليل، وأن جائزته الحقيقية تتمثل فى راحة الضمير وحمل أمانة العلم داخل الأزهر الشريف، معتبرًا أن هذا التكليف تشريف يفوق أى تقدير مادى أو معنوى.
وأكد شيخ الأزهر، وقد بلغ الثمانين من عمره، أنه عازف عن زينة الحياة الدنيا، ولا يرى ما يستحق أن يُستبدل برضا الله تعالى وخدمة الإسلام والمسلمين، مشددًا على أن غايته فى ما تبقى من عمره هى الدعوة إلى العدل والسلام، وحماية الضعفاء، ونصرة المظلومين أينما كانوا، بغض النظر عن دينهم أو اعتقادهم، انطلاقًا من مبادئ الشريعة الإسلامية التى تُحرِّم الظلم تحريمًا قاطعًا، داعيًا الله أن يعينه على أداء هذه الأمانة حتى آخر العمر.