سامح فايز يكتب: الإسلام السياسي والرهان على الخارج

كتب: محرر

سامح فايز يكتب: الإسلام السياسي والرهان على الخارج

سامح فايز يكتب: الإسلام السياسي والرهان على الخارج

منذ تراجع حضور الإسلام السياسى داخل عدد من الدول، برز اتجاه متزايد داخل هذه الحركات للرهان على الخارج، بوصفه مساحة بديلة لإعادة التنظيم، أو منصة ضغط، أو حتى مجالاً لإعادة تقديم الذات بصورة مختلفة. ذلك الرهان ليس جديداً فى تاريخ الحركات السياسية، لكنه فى الحالة الراهنة يطرح أسئلة جدية حول جدواه وحدوده، خاصة حين يُفصل عن الواقع الاجتماعى والسياسى الذى نشأت فيه هذه الحركات أصلاً.

الرهان على الخارج ينطلق عادة من افتراض أن فقدان المساحة الداخلية يمكن تعويضه بالدعم الخارجى، سواء كان سياسياً أو إعلامياً أو حقوقياً، غير أن التجربة أثبتت أن هذا الافتراض مبالغ فيه، فالتأثير الحقيقى لأى حركة سياسية يتشكل من داخل المجتمع الذى تدّعى تمثيله، لا من خارجه.

ومع انقطاع الصلة العضوية بين التنظيم والبيئة الاجتماعية، يتحول النشاط الخارجى إلى صدى بلا جذور، مهما بدا صاخباً فى بعض اللحظات.

فى الحالة المصرية، كان هذا الانفصال أكثر وضوحاً، فبعد أن فقدت جماعات الإسلام السياسى قدرتها على التأثير داخل المجتمع، لم تنجح محاولات التعويض الخارجى فى استعادة هذا الدور. صحيح أن بعض المنابر الإعلامية أو المنصات الدولية وفرت مساحة للظهور، لكن هذه المساحة ظلت محدودة الأثر، ولم تتحول إلى نفوذ حقيقى على الأرض، فالمجتمع الذى اختبر تجربة الاضطراب أصبح أقل قابلية للتأثر بخطاب يُدار من الخارج، وأكثر حساسية تجاه أى محاولات للضغط على الدولة من خارج الإطار الوطنى.

الدولة، فى هذا السياق، تعاملت مع الرهان الخارجى بقدر كبير من الحذر والوعى. لم تنجر إلى ردود فعل انفعالية، لكنها عملت على تحصين الداخل، وتعزيز حضورها المؤسسى، وتأكيد شرعيتها من خلال الأداء والاستقرار. هذا المسار جعل أى ضغط خارجى محدود التأثير، لأن قوته كانت دائماً مشروطة بوجود أرضية داخلية قابلة للتجاوب، وهى أرضية لم تعد متاحة.

من جهة أخرى، كشف الرهان على الخارج عن أزمة أعمق داخل الإسلام السياسى نفسه، فالحركات التى تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن شرعية أو دعم خارج مجتمعها تكون قد فقدت جزءاً أساسياً من قدرتها على الفعل السياسى الطبيعى. السياسة، فى جوهرها، علاقة داخلية بين فاعلين ومجتمع ودولة. وعندما تُدار من الخارج، تتحول إلى خطاب احتجاجى أكثر منها مشروعاً قابلاً للتطبيق.

كما أن الخارج ذاته ليس كتلة واحدة، ولا يعمل بدوافع أخلاقية مجردة، فالدول والمؤسسات الدولية تتحرك وفق مصالحها، وتتغير مواقفها بتغير السياقات. الاعتماد على هذا الخارج بوصفه رافعة دائمة هو رهان هش، سرعان ما يتبدد حين تتغير الأولويات أو تُعاد صياغة المصالح. وهو ما حدث بالفعل فى أكثر من محطة، حيث تراجع الاهتمام الخارجى مع استقرار الأوضاع، وبقيت التنظيمات تراهن على دعم لم يعد مضموناً.

فى المقابل، عززت الدولة المصرية من حضورها الإقليمى والدولى عبر سياسات واضحة، ومواقف مستقرة، وقدرة على إدارة الملفات المعقدة. هذا الحضور جعل السردية الوطنية أكثر قوة فى مواجهة أى محاولات لتدويل الشأن الداخلى أو تقديم صورة مشوهة عن الواقع. ومع الوقت، أصبح الرهان الخارجى للإسلام السياسى يبدو معزولاً عن السياق العام، وأقرب إلى محاولة تأجيل مواجهة الأسئلة الداخلية الصعبة.

الخلاصة أن الرهان على الخارج لم يكن بديلاً حقيقياً عن الفعل الداخلى، ولم يُنتج مساراً سياسياً قابلاً للاستمرار. بل على العكس، عمق الفجوة بين هذه الحركات ومجتمعاتها، وجعل خطابها أكثر انفصالاً عن الواقع. وفى المقابل، أكدت التجربة أن الدولة التى تملك شرعية داخلية وقدرة على إدارة التحديات تظل أقل عرضة للتأثر بالضغوط الخارجية، وأكثر قدرة على حماية مسارها الوطنى.


مواضيع متعلقة