باختصار لم تتجاوز مصر بحق أحد، بل مارست الصبر الاستراتيجى، وكذلك الصبر المسئول، فى ملف المياه رغم أهميته لشعبنا، ورغم كون النيل بالفعل شريان حياة المصريين نعتمد عليه فى الشرب وفى الزراعة وفى الصناعة وفى جميع مناحى الحياة.. لكن غلبت مصر منطق الحوار ودعت إليه ومارسته ولجأت إلى الهيئات المختصة لبحث الأزمة؛ من الاتحاد الأفريقى إلى البنك الدولى إلى الاتحاد الأوروبى إلى الأمم المتحدة.. وأدارت خلافها بشكل مثالى.. وبالتالى تستحق مصر ورئيسها هذه الإشادة الأمريكية.
يستحق الرئيس السيسى أن يقول لسيادته الرئيس الأمريكى: «انطلاقاً من روح صداقتنا الشخصية والتزام أمريكا بالسلام ورفاهية الشعب المصرى، فأنا على استعداد لاستئناف الوساطة الأمريكية بين مصر وإثيوبيا لحل مسألة «تقاسم مياه النيل» بشكل مسئول ونهائى».. ويستحق الرئيس أن يتم تقدير طريقة إدارته لأزمة السد على أى مستوى دولى ممكن!
تستحق مصر ويستحق رئيسها أن يقول الرئيس «ترامب»: «أشكركم على قيادتكم الناجحة فى التوسط لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس»، وتستحق مصر ويستحق رئيسها أن يقول الرئيس الأمريكى: «وأُقدّر وأُثنى على دوركم الفاعل فى إدارة التحديات الأمنية والإنسانية العديدة التى واجهت هذه المنطقة، وشعبكم منذ 7 أكتوبر 2023»، وحقيقى جداً أن يقر الرئيس «ترامب» ويقول: «لقد أثّرت هذه الحرب بشدة على المصريين، وليس فقط على جيرانهم فى إسرائيل وغزة»!
منذ اللحظات الأولى لأحداث ٧ أكتوبر ومصر تبذل كل ما يمكنها لوقف نزيف الدم ووقف الخراب والتدمير والتفجير، وهى فى أثناء ذلك لم تتوقف عند دورها فى توفير الدعم الإنسانى لسكان القطاع ولا الدعم السياسى للقضية الفلسطينية كلها!
فى الدعم السياسى وبخلاف مؤتمر القاهرة للسلام ومؤتمرات وجهود الإغاثة الإنسانية لسكان غزة وجهود وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات التى جرت فى ذات الوقت الذى أفشلت فيه مصر مخططات إفراغ قطاع غزة من سكانه وصولاً إلى القمم العربية والإسلامية منفصلة ومجتمعة بما فيها مع الجانب الأمريكى نفسه، نقول بعيداً عن كل ذلك يبقى الدور المصرى فى تسلُّم الرسائل التى وجهتها خطة «ترامب» للسلام، ثم ترتيب المشهدين الفلسطينى والعربى، ثم ترتيب دعوة دول العالم الكبرى والمؤثرة فى الصراع العربى - الإسرائيلى للحضور إلى شرم الشيخ كجهد مصرى لـ«إشهاد» العالم على الاتفاق فى وعى مبكر برغبات الكيان الصهيونى للتملص من الالتزام بالاتفاق وسعيه الدائم للاستمرار فى مخططاته العدوانية، ومن هنا جاء الترتيب المصرى لمشهد توقيع اتفاق شرم الشيخ من الحضور الدولى المؤثر ومن الإخراج المشرف على أى قياس ممكن!
ومع وضع الأزمتين إلى جوار بعضهما، مع دور مصرى فاعل وحكيم.. ونكرر فاعل وحكيم.. فى اليمن وفى أزمات ومشكلات أخرى فى المنطقة يكون من الطبيعى أن يحوز بلدنا الاحترام الدولى ويتم التعامل معه كأحد الفاعلين الكبار فى الشرق الأوسط وأفريقيا، وبقياس تأثير هذه المناطق على العالم يمكن الحديث ببساطة وبسهولة عن الدور الكبير الذى تلعبه مصر فى السياسة الدولية.
وفى ظل سيولة فى السياسة الدولية وإعادة فك وتركيب العالم يكون مهماً لبلد مثل الولايات المتحدة الأمريكية للبحث عن شركاء يمكن الاعتماد عليهم.. ليس الاعتماد عليهم طبعاً فى العدوان على أحد.. ذلك أصلاً لم تفعله مصر ضد خصومها هى.. وبالتالى لن تفعله بالتعاون مع أحد.. إنما المقصود فى الشراكة الدولية وجود دول ذات ثقل وتأثير لها سياسة ثابتة منضبطة يمكن الاعتماد عليها فى ملفات عديدة والتعاون معها بشأنها!
مصر - فى المقابل - لم تكن تتفرج السنوات الماضية.. بلد فاعل فى أى حوار عربى - دولى.. جزء أصيل وفاعل وكبير فى أى حوار لأمتها العربية مع الصين وأوروبا وروسيا والولايات المتحدة واليابان.. وهى أيضاً جزء أصيل من أى حوار دولى لقارتها.. فكانت طرفاً فاعلاً وأصيلاً فى أى حوار أفريقى مع الصين واليابان وأوروبا وروسيا وغيرها!
بلد يلتزم بمعاهداته واتفاقياته وبالقانون الدولى وبحق الجوار مع جيرانه وبحق العبور الآمن لأراضيه وموانيه ولا يتدخل فى الشئون الداخلية للدول الأخرى ويؤمن بحق الشعوب فى اختيار حكامها ووضع دساتيرها.. بلد على هذا النحو من الفاعلية والحضور الدولى يكون من الطبيعى أن تسعى إليه الدول الأخرى للشراكة فى صناعة المستقبل، خاصة مع أفق اقتصادى جيد وتحكم فى مناطق عبور دولية مهمة تتماس مع مشروعات كبرى وتاريخية لقوى أخرى كطريق الحرير مثلاً!
وهكذا.. تدير مصر سياساتها بثبات فى عالم مرتبك.. وبفاعلية فى عالم محبط بفعل انهيار قيم عديدة ظلت لفترة تحكمه حتى مع وجود قطب واحد وحيد فى العالم.. وتدير سياساتها بقيم فى عالم توحشت فيه لغة القوة..
يحق لنا أن نفخر ببلدنا..