د. حسام عبدالغفار يكتب.. السياسة السكانية في مصر: بين الحقائق والانطباعات

كتب: محرر

د. حسام عبدالغفار يكتب.. السياسة السكانية في مصر: بين الحقائق والانطباعات

د. حسام عبدالغفار يكتب.. السياسة السكانية في مصر: بين الحقائق والانطباعات

يثير ملف السكان فى مصر - بطبيعته - نقاشاً واسعاً، وهو نقاش مشروع ومطلوب، شريطة أن يستند إلى الوقائع والبيانات، لا إلى الانطباعات العامة أو التوصيفات المجردة. ومن هذا المنطلق، تابعت وزارة الصحة والسكان، بالتنسيق مع المجلس القومى للسكان، ما ورد بمقال الدكتور محمد صلاح البدرى المنشور بجريدة الوطن تحت عنوان «بين الوجود والغياب.. متى تستقر سياسة مصر السكانية؟»، مع التأكيد على احترامنا الكامل لحق الرأى والتقييم، لكن مع رفض واضح وحاسم لتوصيف السياسة السكانية فى مصر باعتبارها «غائبة» أو «مرتبكة» أو «بلا رؤية مستقرة».

هذا التوصيف لا يعكس الواقع المؤسسى القائم، ويتجاهل حقائق موثقة، ويخلط بين الرأى الشخصى وما هو ثابت بالأرقام والقرارات الرسمية. فملف السكان فى مصر لم يكن يوماً بلا اتجاه أو إدارة، ولم يُترك للاجتهادات أو ردود الأفعال، بل تحكمه الاستراتيجية القومية للسكان والتنمية 2023 - 2030، المعتمدة من مجلس الوزراء، والمدعومة بخطة عاجلة للسكان والتنمية باعتبارها مسرّعاً رسمياً لتحقيق أهداف واضحة ومحددة.

وتُنفذ هذه الاستراتيجية من خلال منظومة مؤسسية متكاملة تضم أكثر من ثلاثين وزارة وهيئة ومجلساً قومياً، وتُتابَع مؤشرات الأداء الخاصة بها بشكل شهرى عبر منصة مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، فضلاً عن خضوعها للمتابعة المباشرة من القيادة السياسية. ومن ثم، فإن أى حديث عن «غياب السياسة» هو حديث منفصل تماماً عن الواقع الإدارى والتنفيذى للدولة المصرية.

أما الزعم بعدم تحقق نتائج ملموسة، فيكفى أن نحتكم إلى الأرقام لا الانطباعات. فقد انخفض معدل الزيادة السكانية فى مصر من 2.47% عام 2014 إلى 1.39% عام 2023، وفقاً لإصدارات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، وهو تراجع جوهرى لم يتحقق من فراغ، بل كان ثمرة سياسات ممتدة وجهود تراكمية، رغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية المعقدة. كما انخفض معدل الإنجاب الكلى إلى 2.41 عام 2024، متجاوزاً المستهدفات الرسمية قبل موعدها بعدة سنوات، وتحسنت الخصائص السكانية فى عشرات المناطق، مع خروج سبع محافظات بالكامل من نطاق المناطق الحمراء.

وفيما يتعلق بدور وزارة الصحة والسكان، فإن الحديث عن غيابها أو افتقادها للأدوات لا يستقيم مع الواقع. فالوزارة تقود التنفيذ الصحى للسياسة السكانية على الأرض، من خلال توفير خدمات تنظيم الأسرة مجاناً فى أكثر من 5400 وحدة صحية، إلى جانب المستشفيات الجامعية والجمعيات الأهلية، مع تدريب آلاف مقدمى الخدمة، وافتتاح آلاف غرف المشورة الأسرية، والتوسع فى الوسائل الآمنة طويلة المدى، التى شهدت نسب إقبال غير مسبوقة. وتجاهل هذا الجهد الميدانى الواسع لا يخدم تقييماً موضوعياً للسياسات.

كما أن حملة «اتنين كفاية» لم تتوقف، ولم تُدَر بعشوائية، بل خضعت لتقييم علمى ومجتمعى دقيق، ترتب عليه تطوير جوهرى فى خطابها. فقد جرى الانتقال من خطاب عددى مباشر ثبتت محدودية تأثيره، إلى خطاب يقوم على الحقوق الإنجابية، والاختيار المستنير، والمباعدة الصحية بين الولادات (من 3 إلى 5 سنوات)، وفق المعايير الصحية الدولية. وهذا التحول لا يعكس ارتباكاً، بل يعكس نضجاً فى التفكير، وإعادة توجيه للبوصلة نحو صحة المرأة والطفل وجودة حياة الأسرة، بدل الاكتفاء بمنطق الأرقام المجردة.

ويرتكز هذا الخطاب على أسس واضحة، تشمل حماية صحة المرأة من مخاطر الحمل المتقارب والمتكرر، وتحسين فرص بقاء الطفل ونموه، ودعم قدرة الأسرة على توفير تعليم جيد وحياة كريمة، والانتقال الحقيقى من منطق الكم إلى منطق بناء الإنسان.

أما الادعاء بفصل ملف السكان عن صحة المرأة أو تهميش دور الوحدات الصحية، فهو طرح مجتزأ وغير دقيق. فالوحدات الصحية تمثل العمود الفقرى لخدمات الإرشاد وتنظيم الأسرة، وتطبق المسار الموحد للمشورة لكل سيدة فى سن الإنجاب، كما أن القضية السكانية مدمجة بالكامل فى المبادرات الرئاسية، وعلى رأسها مبادرة دعم صحة المرأة، ومبادرة الألف يوم الذهبية، وفحوصات ما قبل الزواج.

إن الدولة المصرية تتعامل مع القضية السكانية باعتبارها قضية أمن قومى، لا ملفاً إعلامياً موسمياً، وتحقق تقدماً فعلياً ومحسوباً رغم تعقيد التحديات. ومن ثم، فإن اختزال هذا الجهد المؤسسى فى توصيفات عامة لا يثرى النقاش، بقدر ما يربك الرأى العام ويُغفل حجم العمل المنفذ على الأرض.

ختاماً، ترحب وزارة الصحة والسكان، والمجلس القومى للسكان، بأى نقد يستند إلى البيانات والتحليل الرصين، لكنها ترفض التشكيك غير المدعوم بالأرقام أو القفز على الوقائع. فملف السكان فى مصر ملف مستقر فى رؤيته، متطور فى أدواته، وخاضع للمحاسبة بنتائجه، ويُدار باعتباره مسئولية دولة، لا رد فعل لمقال أو سجال عابر، مع التزام كامل بمواصلة التطوير وتحقيق التوازن بين حقوق المواطن ومتطلبات التنمية المستدامة.

* مساعد وزير الصحة للتطوير المؤسسى

المتحدث الرسمى باسم وزارة الصحة والسكان


مواضيع متعلقة