تحويل البرتقالة إلى فانوس «البلامبيصا».. عيد الغطاس بالطريقة المصرية
تحويل البرتقالة إلى فانوس «البلامبيصا».. عيد الغطاس بالطريقة المصرية
في مصر، للأعياد حكاية مختلفة، نكهة خاصة لا تشبه أي مكان آخر. فعلى مدار مئات السنين، لم يكتفِ المصريون بالاحتفال، بل صاغوا للأعياد طقوسًا شعبية مميزة، تجمع بين الإيمان والفرح والبساطة وتستخدم من البيئة المحيطة أداة للاحتفال. من بين هذه الطقوس، تبرز عادة «البلامبيصا»، حيث تتحول ثمرة البرتقال إلى فانوس منير، أو ما يُعرف قبطيًا بـ«شورية البرتقال»، يحملها الأقباط في ليلة عيد الغطاس وهم في طريقهم إلى قداس العيد، مرددين الألحان القبطية بفرحة عارمة.
قبل قداس عيد الغطاس، تتحول بعض البيوت إلى ورش صغيرة للفرح. يجتمع الأهل والأصدقاء لصنع «البلامبيصا»، عادة سنوية ارتبطت بعيد الغطاس، يُصنع فيها مصباح بسيط من ثمرة البرتقال، يشبه «شورية الكنيسة» في شكله ورمزيته.
في الإسكندرية، اشتهرت الجارتان «أنجي وسوزي» بالحفاظ على هذا الطقس مع أطفالهما منذ نحو 25 سنة، وهي عادة موروثة في الأصل من صعيد مصر، أعادتا إحياءها في وجه بحري، وفتحا بيتهما لاستقبال خادمات الكنيسة والشابات لتعلمها ونقلها إلى أسر أخرى.
صنع البلامبيصا في عيد الغطاس
يفترش الجميع أرض الغرفة، وتبدأ أيادي الأطفال والكبار في تحويل البرتقال إلى مصابيح منيرة. يتم تفريغ الثمرة، ثم زخرفة قشرتها بالصلبان، وغرس شمعة من أسفلها، وتعليقها بثلاثة حبال لتصبح «شورية البرتقال». أداة بسيطة، لكنها تحمل روح الطقس الكنسي، وتشبه الشورية التي يرفع بها الكاهن بخور الصلوات، مع اختلاف الاستخدام والشكل.
تقول سوزي جرجس، 45 سنة، وهي تشرح للأطفال معنى ما يصنعونه: «الكنيسة زمان كانت بتربط الزرع بالأعياد، وعشان عيد الغطاس بييجي في موسم البرتقال، فكروا يعملوا منه الشورية، خاصة إن قشرته قوية، وفي الوقت ده ما كانش فيه كهرباء».
رمزية البلامبيصا في عيد الغطاس
وتوضح في حديثها لـ«الوطن», أن قشرة البرتقال ترمز للسيدة العذراء، والشمعة ترمز للسيد المسيح كنور أنار العالم، أما الثلاث حبال فترمز للثالوث المقدس. وتشير إلى إضافتهم أفكارًا جديدة، مثل تزيين الحبال بالمكرونة وتشجيع الأطفال على تلوينها، لتتحول العادة إلى نشاط فني ممتع بجانب قيمتها الدينية.
مونيكا زكريا، 24 سنة، تشارك للمرة الأولى في صنع «البلامبيصا»، وتقول إنها حرصت على تعلمها لنقلها إلى أسرتها وأطفال مدارس الأحد، مؤكدة أن الأطفال يفرحون بها جدًا، وتعطي لعيد الغطاس بهجته الحقيقية، خاصة مع الترانيم والألحان.
من جانبها، توضح أنجي سمير أن صناعة البلامبيصا لا تحتاج أكثر من يوم واحد قبل ليلة العيد، ويتم اختيار البرتقال الكبير ذو القشرة السميكة، مع استخدام سلك براويز العسل كونه أكثر أمانًا للأطفال من الخيوط العادية أو الأسلاك المعرضة للحرق. وتشير إلى أنهم صنعوها هذا العام مبكرًا بسبب امتحانات الأبناء، لكن العادة لا تسقط مهما زادت الالتزامات.
ومع انتهاء التحضيرات، يرتدي الجميع ملابسهم الجديدة في ليلة عيد الغطاس، ويحملون «البلامبيصا» من منازلهم إلى الكنيسة سيرًا على الأقدام، وهم يرددون لحن «أجيوس» أو الثلاث تقديسات، في مشهد يجمع بين الضوء والترتيل والفرح، احتفالًا بعيد الغطاس، أو عيد الظهور الإلهي، ليبقى العيد مميز في مصر من جيل إلى جيل.



