أشرف غريب يكتب: يناير الذي شهد بداية ونهاية فاتن حمامة
أشرف غريب يكتب: يناير الذي شهد بداية ونهاية فاتن حمامة
منذ أن طالع الجمهور عام 1940 وجه الطفلة فاتن أحمد حمامة، طفلة فيلم «يوم سعيد» أمام الموسيقار محمد عبدالوهاب ومن إخراج مكتشفها محمد كريم، وحتى رحيلها سنة 2015، وعلاقتها بالفن لم تنقطع على مدى خمسة وسبعين عاماً، فرغم أن آخر أعمالها الفنية مسلسل «وجه القمر» كان قبل رحيلها بخمسة عشر عاماً فإنها كانت طوال كل هذه الفترة وثيقة الصلة بالحياة الفنية، من حيث صداقاتها ومتابعاتها وظهورها على الشاشات أو عبر الحوارات الصحفية، ومن هنا يمكن القول بكل ارتياح إن فاتن حمامة هي الطفلة الوحيدة في زمن الأبيض والأسود التي لم تتوقف يوماً عن التعاطي مع الفن، فيما كانت أخريات بدأن مثلها في مرحلة الطفولة، لكنهن توقفن تماماً عن الظهور حتى تجاوزن المرحلة الوسطى بين الطفولة والتحول إلى مرحلة الشباب.
فاتن حمامة نفسها كانت دائماً تقول إنها ولدت يوم أن بدأت مشوارها مع الفن، وكأن أعوامها التسعة التى سبقت ظهورها على شاشة السينما لا تعد من عمرها الفعلى، والمدهش أن عرض فيلم «يوم سعيد» كان فى الخامس عشر من يناير 1940 فيما كان رحيلها فى السابع عشر من الشهر نفسه ولكن بعد خمسة وسبعين عاماً، إذن فرحلة فاتن حمامة الفنانة كانت بين قوسين كبيرين اسمهما شهر يناير، وإذا كانت «فاتن» تعتز كثيراً بنقطة البداية وفضل المخرج محمد كريم عليها، فإن «كريم» نفسه كان يتوقف بإعجاب أمام اكتشافه الأهم فى مسيرته الفنية، يقول محمد كريم فى مقال له بمجلة الاثنين سنة 1940 والتى كانت تصدرها دار الهلال:
«منذ ثلاثة أعوام أو يزيد - وكنا نستعد لإخراج فيلم «يحيا الحب» زارني حضرة أحمد أفندي حمامة، ومعه ابنته الطفلة فاتن، وعرض أن نعهد إليها بدور في الفيلم، وقد كنت أميل إلى تحقيق هذه الرغبة لما كان يبدو على الطفلة من ذكاء وصلاحية للسينما، لولا أن موضوع الفيلم لم يكن يتحمل أي إضافة أو تعديل، فأمهلت الوالد إلى فرصة أخرى. ومرت الأيام، إلى أن بدأنا الاستعداد لفيلمنا الحالي (يقصد يوم سعيد) وفيه دور لفتاة صغيرة فتذكرت «فاتن»، فكتبت إلى والدها لموافاتي سريعاً، ولكن أشد ما كانت دهشتي حين عاد إليّ الخطاب بعد أيام دون أن يتسلمه لعدم الاستدلال على العنوان. ضايقني ذلك كثيراً فبحثت، ولكن على غير جدوى. وحدث أن سافرت يوماً إلى المنصورة لأعمال خاصة بالفيلم، وعدت إلى القاهرة في نفس اليوم، وبعد يومين من هذا التاريخ تلقيت خطاباً يعتب فيه كاتبه على أننى كنت في المنصورة ولم أفكر في زيارته، والتوقيع: «أحمد حمامة»!
ما كدت أتلو الخطاب حتى اتصلت به في الحال، فحضر مع فتاته، ورحت أختبرها مدة طالت إلى أكثر من ساعة، وأخيراً أسندت الدور إليها. وقد اتضح أن وزارة المعارف التي يعمل فيها حمامة أفندي كانت قد نقلته إلى مدرسة المنصورة الصناعية، فترك القاهرة دون أن يفكر في إخباري بعنوانه الجديد».
أما فاتن حمامة نفسها فقد تذكرت فى مقال لها بمجلة الكواكب عام 1955 أيام البدايات، وكتبت تقول تحت عنوان «أول لقطة كانت في يوم سعيد»:
«كنت طفلة صغيرة عندما وقفت أمام الكاميرا لأول مرة، بل لا أبالغ إن قلت إنني كنت أول طفلة تقف أمام الكاميرا وتمثل دوراً مرسوماً في السيناريو، وموضوعاً له عبارات الحوار.. أخذني أبي في ذلك اليوم إلى الاستوديو بعد أن أغراني بكمية لا يستهان بها من الشوكولاتة.. ووجدت هناك المخرج الأستاذ محمد كريم الذي صافحني بحنان ومضى يربت على كتفي حتى أحسست بأنه يعاملني كما أعامل قطتي الصغيرة.. وكان في الاستوديو في ذلك اليوم رجل لا أعرفه، كل الناس ابتعدوا عن المكان الفسيح الذي وقفنا عنده إلا هو، فقد وقف واضعاً يديه في جيبه وكلما تحدثت بشىء ضحك وقال: لطيفة قوي.
وقال لى الأستاذ محمد كريم ما سأقوله، وقال لي أبي إن كمية الشوكولاتة التي أخذتها في الصباح لن تكون شيئاً بجوار الكمية التي سيعطيها لي إن أنا طاوعت «بابا كريم».. ونظرت لبابا كريم فوجدت على وجهه حماساً وحنواً.. وما إن رآني أنظر إليه حتى راح يقول من جديد:
- إنتي حاتقولي زي أنا ما بقول.. وتبصي الناحية دي. وأشار لناحية أخرى غير الناحية التي كنت أنظر إليها، والتي كانت مليئة «باللعب» الكثيرة، ولكني قلت ما قاله لي بابا كريم وأنا أنظر للعب، فقال لي:
- بلاش يا فاتن تبصي هناك، لو بصيتي حاتطلع من الماكينة الكبيرة عصفورة حاتخطفك
فقلت له:
- طيب العصفورة ما تخطفش ليه الراجل اللي واقف عند الماكينة.
فضحك الرجل الذي كان يقف ويداه في جيبه وقال:
- لطيفة خالص.. خالص.. دي حاتبقى ممثلة كبيرة.
وللمرة الثانية قلت العبارة وأنا أنظر إلى الماكينة الكبيرة، وهي التي عرفت فيما بعد أنها آلة التصوير، وكان يخيل لي أنها لعبة جميلة يمكن أن أتسلى بها، وتضايق الرجل الذي كان يردد عبارة «لطيفة»، ورأيته يضحك أمام وجهي.. فقلت لبابا كريم:
- لازم تشوف واحد غير الرجل ده لأنه بيضحك عليّ واحنا بنشتغل.. فضحك كريم وقال:
- طيب أنا حاشوف غيره لو قلتي اللي أنا قلته لكي، بس من غير ما تبصي في الماكينة اللي قدامك دي.
وأديت اللقطة بعد ذلك بنجاح، وعرفت فيما بعد أن الرجل الذي كان يضحك علىّ هو الأستاذ محمد عبدالوهاب بطل الفيلم ومنتجه. كانت اللقطة الأولى في حياتي في استوديو مصر، بين كريم المخرج الفنان، وعبدالوهاب المطرب الكبير. وقد كان دوري فى فيلم «يوم سعيد» هو بداية الطريق لعملي في السينما، العمل الذي اخترته مستقبلاً لي، وكرست له كل حياتي.
وصدقت فاتن حمامة حين قالت سنة 1955 بعد خمسة عشر عاماً فقط من بدايتها إن الفن هو العمل الذي كرست له حياتها، إن مشوار سيدة الشاشة يمكن أن يكون تجربة ملهمة أمام كل فتاة تحاول أن تجد لنفسها مكاناً في دنيا الفن، وصولاً إلى مرحلة النجاح الساحق على النحو الذي حققته سيدة الشاشة.