الفوضى الخلاقة تضرب مونديال كرة القدم

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

قبل خمسة أشهر من بدء بطولة كأس العالم لكرة القدم هذا العام، قررت الولايات المتحدة الأمريكية، التى تستضيفها بجانب كندا والمكسيك، تجميد منح تأشيرات لمواطنى 75 دولة، من بينها 15 دولة مشاركة فى البطولة.

خطوة يبدو أنها مستوحاة من روح الفوضى الخلاقة، لتزيد مشكلات العالم، وكأن مشكلته الحالية لا تكفيه، فقررت «واشنطن» إضافة لمسة من الفوضى إلى أكبر حدث رياضى على الكوكب.

بطولة كأس العالم لكرة القدم ظلت منذ بدايتها، منذ ما يقرب من مائة عام، مناسبة رياضية مهمة، تتجاوز السياسات والحدود، لكن يبدو أن فريق الرئيس ترامب قرر إعادة اختراع العجلة وتقديم البطولة فى نسختها المقبلة بدون جماهير.

الدول الخمس عشرة المتضررة تشمل فرقاً عريقة فى ممارسة اللعبة مثل الأوروجواى التى استضافت النسخة الأولى عام 1930، وفازت ببطولتها، والبرازيل بكل ما تعنيه فى كرة القدم، ومصر البطل التاريخى للعبة فى أفريقيا، ودولاً أخرى مثل المغرب والسنغال وكولومبيا، أى إننا نتحدث عن بعض أكثر الجماهير حماسة وشغفاً فى عالم الكرة.

دعونا نتخيل المشهد.. منتخب البرازيل، ذلك الفريق الذى يجلب معه إلى الملعب إيقاع السامبا، وتملأ جماهيره المدرجات ألواناً زاهية، يخوض مبارياته فى ملاعب شبه فارغة، وجماهير التانجو الأوروجويانى الشهيرة لن تتمكن من دعم فريقها، وحتى المشجعون المصريون، المعروفون بحماسهم الفريد، سيكونون غائبين عن المدرجات.

أوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية أن الوزارة ستستخدم سلطتها لتحديد «من قد يصبح عبئاً على الدولة ويستفيد من المساعدات العامة».. ويا للعجب!. المشجع الذى ينفق آلاف الدولارات للسفر والإقامة ومشاهدة المباريات، تضعه الولايات المتحدة كـ«عبء» محتمل على الدولة!.

القرار الأمريكى وضع الاتحاد الدولى لكرة القدم «فيفا» فى موقف محرج، فكيف يقيم بطولة عالمية فى بلد يمنع جماهير 15 فريقاً مشاركاً من الحضور؟.

هل سيتم تعويض الغياب ببث أصوات اصطناعية للجماهير؟ أم سيتم دعوة الأمريكيين فقط لتشجيع جميع الفرق بشكل «محايد»؟.

والأكثر حرجاً لـ«فيفا» هو أن الولايات المتحدة ستشارك هى نفسها فى البطولة كمنافس، وليس مضيفاً فقط، ومن المحتمل أن يلعب المنتخب الأمريكى مباراة مصيرية (فى الأدوار الإقصائية) فى ملعب مملوء بالمشجعين الأمريكيين فقط، لأن جماهير الفريق المنافس ممنوعة من الحضور.

هذا القرار لا يهدد فقط الجو الرياضى للبطولة، لكنه يضرب اقتصادياتها قبل أشهر قليلة فقط من انطلاقها، بعد أن أصبحت فجأة جميع الخطط اللوجيستية، التى استغرقت سنوات فى التحضير، فى مهب الريح.

قرار تجميد التأشيرات هذا يحول كأس العالم 2026 إلى حدث غريب، بطولة عالمية بدون جماهير عالمية، روح كرة القدم التى تجمع بين الشعوب وتتجاوز الحدود السياسية ستتضرر بشدة من هذا القرار، الذى يتوافق مع عقلية «أمريكا أولاً»، حتى لو كان الثمن هو فشل أكبر حدث رياضى فى العالم.

ربما يشهد العالم فعلاً بطولة كأس العالم بأقل عدد من الجماهير فى تاريخها، ولكن المؤكد أن كرة القدم ستخسر كثيراً إن استمر هذا الحظر الغريب، واستمر صمت «فيفا» المريب.