سامح فايز يكتب: تنظيم بلا دولة.. إلى أين؟

كتب: محرر

سامح فايز يكتب: تنظيم بلا دولة.. إلى أين؟

سامح فايز يكتب: تنظيم بلا دولة.. إلى أين؟

حين تتخذ دولة مركزية فى النظام الدولى، كالولايات المتحدة، قراراً يتعلق بتنظيم عابر للحدود مثل الإخوان المسلمين، فإن أثر القرار لا يُقاس فقط بما يفرضه من قيود قانونية مباشرة، بل بما يُحدثه من اختلالات عميقة فى البنية غير المرئية للتنظيم.

فتنظيم الإخوان لا يعيش أساساً على كيان قانونى واحد يمكن حظره أو مصادرته، بل يقوم على شبكة معقدة من العلاقات، والشرعيات الرمزية، ومساحات الحركة الرمادية التى تتآكل تدريجياً مع كل قرار من هذا النوع.

أول ما يتأثر فى تنظيم عابر للحدود هو الشرعية الدولية غير المعلنة. الإخوان، عبر عقود، لم يعتمدوا فقط على قواعدهم أو خطابهم، بل على قدرتهم على تقديم أنفسهم للغرب باعتبارهم فاعلاً سياسياً «مقبولاً»، أو على الأقل غير مستبعد.

هذه المساحة، حتى حين لم تكن اعترافاً رسمياً، كانت كافية لتوفير مظلة حماية غير مباشرة: منابر إعلامية، جمعيات، قنوات تمويل، وشبكات ضغط. حين تُسحب هذه المظلة، لا يسقط التنظيم فجأة، لكنه يفقد توازنه.

الأثر الثانى يتمثل فى التمويل، لا بمعناه المباشر فقط، بل فى كلفة التمويل. التنظيمات العابرة للحدود لا تعتمد دائماً على تحويلات صريحة، بل على مسارات معقدة، قانونية فى ظاهرها، تتطلب بيئة متسامحة أو على الأقل غير معادية.

قرار أمريكى من هذا النوع يرفع مستوى التدقيق، ويجعل كل حركة مالية محتملة عبئاً إضافياً، ويحوّل التمويل من مورد إلى مخاطرة. ومع الوقت، لا يؤدى هذا بالضرورة إلى الجفاف الكامل، لكنه يحدّ من القدرة على التخطيط طويل المدى، ويُدخل التنظيم فى حالة إدارة أزمة دائمة.

ثالثاً، يتأثر النمط التنظيمى نفسه، فالإخوان، كتنظيم عابر للحدود، يقوم على فكرة المركز غير المرئى، والقيادة الموزعة، والمرونة الجغرافية، لكن هذه المرونة تفترض وجود بيئات مختلفة يمكن المناورة بينها.

حين تتقلص هذه البيئات، أو تتقارب فى نظرتها السلبية إلى التنظيم، يصبح التنقل التنظيمى أقل فاعلية، هنا لا ينهار التنظيم، لكنه ينكمش، ويتحول من فاعل مبادر إلى كيان دفاعى، يستهلك طاقته فى البقاء بدل التوسع.

الأثر الرابع، وربما الأعمق، يتعلق بالخطاب. تنظيم الإخوان بنى سرديته العالمية على ثنائية واضحة: «نحن حركة دعوية/سياسية مضطهدة فى الداخل، لكنها مقبولة فى الخارج».

هذه الثنائية كانت جوهرية فى الحفاظ على تماسك القواعد، خاصة فى المنفى. حين يختل هذا التوازن، ويتحول الخارج نفسه إلى مساحة ضغط، يفقد الخطاب قدرته على التعبئة.

تبدأ الأسئلة الداخلية: إذا كان الغرب نفسه لم يعد يرى فينا شريكاً، فما الذى تبقى من الرواية؟

وهنا نصل إلى نقطة حساسة: الانقسامات الداخلية، التنظيمات العابرة للحدود تتحمل الضغوط الخارجية حين تكون قادرة على توزيع الأدوار والمخاطر.

لكن حين تتزامن الضغوط فى أكثر من ساحة، تظهر الخلافات الكامنة: بين الداخل والخارج، بين الأجيال، بين من يفضّلون المراجعة ومن يراهنون على الصمود.

قرار أمريكى من هذا النوع لا يخلق هذه الانقسامات، لكنه يعجّل بظهورها ويجعل إدارتها أصعب.

من زاوية أوسع، لا يعنى هذا أن قراراً واحداً قادر على إنهاء تنظيم مثل الإخوان. التجربة التاريخية تقول إن التنظيمات الأيديولوجية العميقة لا تسقط بالقرارات وحدها. لكنها فى الوقت نفسه لا تبقى كما هى.

ما يحدث هو تحول فى الوظيفة: من تنظيم يسعى إلى التأثير، إلى شبكة تسعى إلى البقاء؛ من خطاب عام موجه للمجتمع، إلى خطاب داخلى يبرر الاستمرار؛ من مشروع سياسى، إلى كيان يعيش على ذاكرته.

الأهم أن القرارات الكبرى من هذا النوع تعيد تعريف العلاقة بين التنظيم والدولة الوطنية. فالإخوان، كتنظيم عابر للحدود، راهنوا طويلاً على تآكل الدولة الوطنية أو تجاوزها. لكن حين تتقاطع إرادة دول مركزية مع إرادة دول إقليمية، تصبح الدولة الوطنية أكثر صلابة، ويصبح التنظيم العابر للحدود هو الحلقة الأضعف، لأنه بلا أرض واضحة، وبلا شرعية مستقرة.

فى المحصلة، تأثير القرار الأمريكى لا يكمن فى نصه، بل فى سلسلة التحولات التى يطلقها: تضييق المساحات، رفع كلفة الحركة، إرباك الخطاب، وتعميق الأزمة الداخلية.

هذه ليست ضربة قاضية، لكنها ضربة بنيوية، ومع تراكم مثل هذه الضربات، يتحول التنظيم العابر للحدود من لاعب مزعج إلى عبء على نفسه وعلى من يحاولون احتواءه.

وهذا، فى منطق التاريخ السياسى، هو أخطر ما يمكن أن يواجهه تنظيم من هذا النوع.


مواضيع متعلقة