الملهم الأسمر

لست من المتعصبين لكرة القدم، ولكننى أحرص على متابعة المباريات المهمة، سواء المحلية أو الدولية، من أجل متعة المشاهدة، وأمس الأول كنت أتابع مباراة السنغال والمغرب، وكنت أشجع المغرب، لأننى نفسياً أميل إلى البلد العربى الشقيق، ولأن السنغال حرمت منتخب مصر من الوصول إلى مباراة النهائى فى كأس أفريقيا بعد أن فازت علينا 1 - صفر، وطوال فترة امتهانى للصحافة الممتدة لأكثر من 35 سنة لم أكتب يوماً محللاً لمباراة، حتى وأنا أتناول اليوم مباراة المغرب والسنغال، لن أتناولها من الجانب الفنى أو التكتيك الكروى، ولن أوجّه اللوم إلى لاعب أو فريق أو جمهور أو حكم، ولكن استوقفنى موقف ملهم، لا يمكن أن يمر مرور الكرام.

فبعد أن ألغى الحكم هدفاً للسنغال فى الدقيقة الواحدة والتسعين، فى الوقت بدل الضائع، احتسب ركلة جزاء للمغرب، مما أغضب الفريق السنغالى، لأنه شعر بالظلم والاضطهاد والتحيّز التحكيمى، بالإضافة إلى الضغط الجماهيرى الكبير، لأن المباراة تُقام على أرض ملعب مغربى، وما كان من مدرب الفريق إلا أن أمر فريقه بأن ينسحب وأن يغادر الملعب، معترضاً على ما وصفه بالظلم، وسط دهشة الجمهور والمشاهدين عبر أجهزة التليفزيون، استغرقت عملية الانسحاب 18 دقيقة كاملة، وكان المتبقى دقائق معدودات، ويعلن الحكم فوز المغرب نتيجة الانسحاب، كل الفريق خرج عدا اللاعب ساديو مانى رفض الانسحاب، بل كان مُعترضاً على هذا القرار وأخذ يدعو زملاءه إلى عدم مغادرة الملعب واستكمال المباراة، رغم أنه ليس كابتن الفريق، ولكنه يمتلك مؤهلات ومواصفات القائد المسئول، وتابعته الكاميرا وهو يسير نحو المدرجات، ثم أسرع نحو غرفة ملابس اللاعبين، وأقنعهم بأن يعودوا لاستكمال المباراة، قائلاً لهم بصوت مسموع وباللغة الفرنسية، ترجمها معلق المباراة «سنلعب برجولة».. وبالفعل تم استئناف المباراة، وتم الاستعداد لضربة الجزاء وسط فرحة استباقية من جماهير المغرب ونشوة اللاعبين بالفوز بالكأس، على اعتبار أن هذه الركلة ستتوج بهدف، وستكون آخر «لعبة» فى المباراة.

وقام إبراهيم دياز بتسديد الكرة نحو الشبكة، ولكن حارس المرمى السنغالى «صدّها»، وسط خيبة أمل مغربية، وأعاد الأمل للسنغال. واستُكملت المباراة بشوطين إضافيين، ليحرز خلالهما الفريق السنغالى هدفاً، وينهى المباراة وتتوج السنغال بكأس أفريقيا، والفضل لا يعود إلى حارس المرمى إدوارد ميندى الذى صدّ ركلة الجزاء، ولا لإخفاق إبراهيم دياز فى إحراز الهدف، ولا لبابى جاى الذى أحرز هدف المباراة، ولكن يعود إلى ساديو مانى، هذا القائد الملهم الذى حول منتخب بلاده من فريق منسحب مهزوم يتعرّض لعقوبات قاسية من الكاف، إلى فريق رفع رأس بلده عالياً فائزاً بكأس أفريقيا. وقد عبّرت كلماته فى المؤتمر الصحفى عقب المباراة عن مدى رجولته وجدارته بأن يكون قائداً وملهماً، حيث قال: الاحترام والعمل والصبر هى التى تؤدى إلى النجاح فى المباريات، مهما كان الظلم الذى يتعرّض له الفريق.

وأتذكر أن ساديو مانى قد تعرّض لانتقادات عندما غادر ليفربول ليلتحق بفريق النصر السعودى، واتهموه بأنه تخلى عن حصوله على الكرة الذهبية التى كان قريباً من التتويج بها من أجل المال الذى سيحصل عليه من الفريق السعودى، لكن وقتها لم يرد ساديو، وإنما تكفل أهل قريته بالرد، عندما أذاعوا مقاطع مصورة للمشروعات التنموية التى يمولها ساديو فى قريته من مدارس ومستشفيات ومساكن، وأنه انضم إلى الفريق السعودى حتى يستطيع الاستمرار فى تمويل هذه المشروعات ومساعدة أهل قريته، وليس من أجل شراء سيارات فاخرة وقصور فارهة، وربما تتضح شخصية ساديو أكثر من تصريحات مدربه الصحفية عنه، بعد أن أبدى ساديو رغبته فى أن تكون مشاركته فى كأس الأمم الأفريقية هى الأخيرة دولياً، حيث قال بابى ثياو:

اعتزال ساديو ليس قراره، وإنما قرار السنغال.. نحن لا نستطيع الاستغناء عنه، فهو قدوة لنا، وملهمنا ويعلمنا دروساً، نحن بحاجة إلى أمثال ساديو فى حياتنا، فهو يعلمنا دروساً فى الحياة بتواضعه وأخلاقه الحميدة، وكيف يبذل قصارى جهده عندما يرتدى تى شيرت بلاده فى الملعب.

هذا هو النموذج الذى يجب أن نحتذى به جميعاً فى الأخلاق والانتماء والقيادة المتجرّدة من التعصّب والانفعال وتحقيق المصالح الشخصية.

يستحق «مانى» أن يكون أيقونة الكرة الأفريقية أمام العالم خلقاً ولعباً.