خواطر حول الكفر والعدل الإلهي

من هو الكافر؟ سؤال بسيط فى ألفاظه، بالغ التعقيد فى آثاره، سؤال اختلف فيه الناس، ثم ما لبث اختلافهم أن تحول إلى تباغض، ثم إلى صراع، ثم إلى اقتتال، لا فى دين واحد، ولا فى ملة واحدة، بل فى كل الملل والنِّحَل، وعبر العصور كلها.

وسالت بسببه دماء، وهُدمت أوطان، وكل فريق كان يظن أنه يحسن صنعاً، وأنه ينفذ حكم الله فى خلقه. فهل لنا، يا صديقى، أن نتوقف قليلاً عند هذا السؤال؟ لا لنصدر حكماً، ولا لنرفع سيفاً، بل لنفكر، هل لنا أن نقترب منه بعقل هادئ، وبقلب لا يعرف الكراهية؟

إن أول ما ينبغى أن نبدأ به، أن نعلم أن الله جل شأنه لم يخلق عقولنا عبثاً، ولم يمنحنا إياها لنضعها جانباً، بل خلقها لتكون أداة الفهم، وميزان التكليف، وحد العدل. وحين قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ كان يضع قاعدة عامة، لا استثناء فيها، ولا تأويل يخرجها عن معناها الواضح. والله سبحانه وضع فى هذه الآية أصلاً من أصول العدل الإلهى، أصلاً لو فُهم حق الفهم، لانهدّت تحته أكثر نظريات التكفير التى شقيت بها الأمة. فإذا كان التكليف مرتبطاً بالوسع، وكان الوسع مرتبطاً بالعقل، فكيف نُحمِّل الناس ما عجزت عقولهم عن إدراكه؟ وكيف نحاسبهم على ما لم يَبلغهم علمه، أو بلغهم مشوَّهاً؟

لقد ورثنا عن القدماء تعريفاً للكفر، لم يكن لغوياً فى أصله، بل كان اصطلاحياً، صُنع فى سياق تاريخى وسياسى، ثم قُدِّم إلينا على أنه حقيقة دينية نهائية. وبمجرد أن صار اصطلاحاً، حُرِّم مناقشته، وكأن السؤال فيه خروج عن الدين، لا بحثاً عن معناه.

والكفر فى لسان القرآن ليس مجرد عدم الإيمان، بل هو ستر الحق بعد ظهوره، وجحوده بعد معرفته. أما الجهل، فشىء آخر، والغفلة شىء ثالث، وكلها حالات إنسانية مختلفة، لا يجوز أن تُصبّ فى قالب واحد، ولا أن يُسوى بينها فى الحكم والمآل. ولهذا فرّق القرآن بوضوح بين من عرف فأنكر، ومن لم يعرف أصلاً، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾، فلم يُطلق الحكم، ولم يُعمِّم الاتهام، بل خص الذين كفروا، أى الذين عرفوا ثم جحدوا. ومن هنا، يصبح السؤال: هل يجوز لنا نحن البشر، بعقولنا النسبية، أن نضع أنفسنا موضع الله، فنحكم على القلوب، ونقسم الناس إلى أهل جنة وأهل نار؟ أم أن الأولى بنا أن نفكر، قبل أن نكفّر، وأن نبحث عن المعنى، قبل أن نوجّه الاتهام. غير أن الذين سبقونا رحمهم الله وغفر لهم لم يقفوا طويلاً عند هذا الأصل، بل مضوا فأنشأوا لأنفسهم بناء نظرياً للإيمان والكفر، بناء بدا فى ظاهره متماسكاً، لكنه فى حقيقته كان أقرب إلى البناء السياسى منه إلى البناء الدينى، وأقرب إلى موازين السلطان منه إلى موازين السماء. ثم ورّثونا هذا البناء، فقبلناه كما هو لا نملك شجاعة النظر فى أساسه. وقد سمعنا ولا نزال نسمع أن من لا يؤمن بالإسلام كافر، ثم لم يلبث هذا الباب أن اتسع، حتى صار من لا يؤمن بما قيل إنه «معلوم من الدين بالضرورة» كافراً أيضاً. وهكذا، لم يبق من الناس إلا قليل، ودخل أكثر البشر نظرياً على الأقل فى عداد أهل النار، وكأن الله خلق الخلق ليعذبهم، ومن هنا، يا صديقى، بدأ الخطر.

فإذا كان هذا هو الكفر، وإذا كان الكافر مآله النار، فلماذا لا يُعجَّل له العذاب فى الدنيا؟ ولماذا لا يتصدى «أهل الحق» لتنفيذ ما ظنوه حكم الله؟ وهكذا سال الدم، وارتُكبت المذابح، لا بدافع الكراهية الشخصية، بل بدافع «الدين»، وهو أبشع أنواع الدوافع. والعجيب أن كل هذا قام على تحريف أولى لمعنى كلمة واحدة: الكفر.

ومن خلال هذا المعنى الاصطلاحى الذى ابتُدع بعد ذلك، جعلوا الكفر مرادفاً لعدم الدخول فى الإسلام، أو لعدم التصديق، أو لمجرد المخالفة، ثم قُدِّم هذا المعنى على أنه حقيقة لا تقبل النقاش. ومنذ تلك اللحظة، صارت اللغة خادمة للسلطة، لا خادمة للمعنى. ولذلك، يا صديقى، أقول فى هدوء لا يخلو من يقين: ليس كل من لا يؤمن بالله كافراً، ولا كل من لم يؤمن بمحمد صلوات الله عليه كافراً، ولا كل يهودى أو مسيحى من أهل النار، ولا كل من أنكر ما اشتهر بين الفقهاء كافراً، وهذا التفريق هو ما ينسجم مع العدل الإلهى، فالناس عند الله ثلاثة: قوم عرفوا الحق فاتبعوه، فهؤلاء مؤمنون، وقوم لم يعرفوا الحق، فهؤلاء غافلون أو جاهلون. وقوم عرفوا الحق ثم أنكروه وجحدوه، فهؤلاء هم الكافرون حقاً. ولهذا جاءت الآيات والمعجزات على يد الأنبياء والرسل، لا لتكون حكايات تُروى، بل لتقيم الحجة على من شاهدها. فمن رأى ثم أنكر، فقد كفر. أما من لم يرَ، ولم يشهد، ولم يتضح له السبيل، فليس سواءً مع من عاين وجحد.

أفلا يحق لنا بعد كل هذا أن نقول: فكروا… ولا تُكفروا؟ فالدين لم يُنزَل ليُغلق العقول، بل ليوقظها.